في الرواية العربية الجديدة

كتب بواسطة: تركي الشثري | في مطالعات . بتاريخ : May 13 2012 | العدد :66 | عدد المشاهدات : 6912

في الرواية العربية الجديدة

نسخة للطباعة
الرواية العربية الجديدة مصطلح يطلقه النقاد على الروايات التي كُتبت في العشرين سنة الأخيرة، بينما يحلو لفخري صالح مؤلف (في الرواية العربية الجديدة) أن يطلقه على الروايات التي كُتبت في الستينيّات والسبعينيّات.
فما هي يا ترى الرواية الجديدة؟ وما علاقتها بالرواية الفرنسية الجديدة؟ وهل هذه الرواية الجديدة تحاول التغيير الشكلي والمضموني لغاية التغيير والتجديد في البناء والفكرة أم أن هناك أسباباً أخرى؟ من خلال قراءة فخري صالح سنعثر على الإجابة، ولكننا قبل ذلك نسأل:
الكتاب كُتبت فصوله بين عامي 1984 م و1998 م!!
ثم أيضاً الكتاب نُشر 2009 م؟ لماذا؟!
ليس المشكل في طول مدة الدراسة أو تأخر النشر؛ فالأسباب تعيي عن الحصر، وقد لا تتعلق بشكل مباشر بمادة الكتاب ولكن الذي يعنينا:
السنوات التي مضت من إنجاز آخر دراسة فيه، وهنا يتعلق السؤال: هل بإمكان هذه الدراسات أن تصمد محافظة على حداثتها؟!
ثم أيضاً إذا قلنا بتأثير الرواية الفرنسية الجديدة، وهي المزدهرة في الستينيات والتي رفضت كثيراً، وتراجعت في السبعينيّات، لتعود مرة أخرى في منتصف الثمانينيّات، بعدما فاز أبرز رموزها (كلود سيمون) بجائزة نوبل عام 1995. إذا قلنا بهذا التأثير في الروائيين العرب على الرغم من تباين البيئة التي وُلدت فيها الرواية الفرنسية،  فإن مصطلح «الرواية العربية الجديدة»، يعني  أكثر من الرواية التي تُكتب الآن أو التي كُتبت خلال العقد والنصف الأخير.
فخري صالح ناقد معروف، وله من الكتب قرابة (25) كتاباً، عدا الكتابة النقدية باللغة الإنجليزية.
وكتابه في الرواية العربية الجديدة عبارة عن تسع دراسات لأعمال روائية، وقبل الدراسة يمهد بـ عنوانين:
1 - (إشارة أولى): يحدد فيها الناقد الأعمال التي سيدرسها، وهي تنتمي إلى جيل الستينيّات وجيل السبعينيّات، متجاوزاً أعمال نجيب محفوظ الروائية الكلاسيكية، باعتبار أن جيل الستينيّات وجيل السبعينيّات (ينتهك جسد الكتابة الروائية الكلاسيكية، وينقل الرواية العربية من أفق اليقين المستقر الهانئ، إلى أفق الشك حتى بعملية الكتابة نفسها) 
2 -  (الإشارة الثانية) محاولة ترسيخ مصطلح "الرواية العربية الجديدة"، مقترباً من المفهوم النقدي في الرواية الفرنسية الجديدة، والذي يحيل إليه ويشتبك معه، وهذا ما دعا فخري صالح  إلى تسخير مدخل الكتاب كاملاً لتوضيح العلاقة بين الروايتين العربية والرواية الجديدة الفرنسية، مبيناً أن هناك تشابهاً واختلافاً بينهما.
    الجدير بالذكر أن فخري صالح يسلب الرواية مصطلح الجديدة، إنْ كُلّمت بمنطق الوثوق في الحكم على الأشياء وإذا ادّعت أنها تستطيع تصور العالم وفهمه, وبالتالي فالرواية الجديدة هي تلك التي تشك في كل شيء، وتسرد الأحداث من دون أن تملك تفسيراً لسيرها. إنها رواية تنبئ عن فوضى الوجدان وحيرة الإنسان إزاء العالم الموَّار بالأحداث والمتناقضات، وكل هذا نتيجة خيبة أمل العرب وانتكاس الموازين بعد عام 1967، فما قبل هذا التاريخ كانت الأحلام والتصالح مع الكون، والركون إلى قدرة العرب على تجاوز أشد المنعطفات خطورة؛ إذ الرواية الجديدة ليست رغبة محضة للتغيير الشكلي، بل هي تعبير صارخ عن الوعي العربي الجديد والمشاعر العربية المحنطة, ومع ذلك فهي كما يقول فخري صالح (تنتسب إلى حقل الانتهاكات والتعارضات التي جسدتها الرواية الأوروبية الجديدة، وبالتحديد الرواية الفرنسية) وبذلك فهي  رغبة في انتهاك الشكل والتعبير بصورة جديدة للعالم، صورة تختلف تماماً عن الصورة (الواقعية) ويعتبر الناقد أن مفهوم الرواية العربية الجديدة تجاوز الزمن الذي كُتبت فيه الرواية، إلى طريقة كتابة الرواية من صيغ مغايرة تقتحم مكوّنات صيغة الكتابة الروائية السابقة.
وللإضافة والإيضاح أكثر لكون الكتاب في الأغلب الأعم قراءات تحليلية لروايات عدة يتلمس من خلالها فخري الصالح الخطو للوصول إلى معنى الرواية الجديدة وتمظهراتها وتحوّلاتها أيضاً، أحب أن أورد مراحل الرواية العربية قبل أن ينزل كتاب فخري صالح للسوق:
ثلاث مراحل:

- الرواية التقليدية:
وهي مرحلة البدايات لظهور الرواية العربية، والرواية فيها وسيلة لنقل الأفكار، ويغلب عليها النزعة الوعظية المباشرة، وتهتم الرواية بالأحداث أكثر من الشخصيات، وتجنح دائماً للصدفة والقضاء والقدر، وتدخّل السارد.

- الرواية الحديثة: 
وهي استجابة لجمالية اجتماعية مستجدة، وتأثير التراث السردي العربي والمؤثرات الأجنبية، وتعتمد على البداية والذروة والنهاية بنائياً، والأحداث تنمو فيها وفق مبدأ السببية، ويتعدد فيها الرواة, وهي تصور أن ظواهر العالم ممكنة التفسير، وعليه فنسبة الوثوقية فيها عالية. إنها تنبه على تحول الرواية العربية للنضج الفني, وهي تصور العلاقات من الداخل، وتتعمق في الظواهر.

- الرواية الجديدة: 
وظهرت بعد هزيمة 67، وهي تعبر بشكل واضح عن أزمة الإنسان، وفيها تفجرت الحبكة، واختفت نبرة الإيهام بالواقعية، وذهب ذلك التناغم الزمني، فلم تعد معطًى جاهزاً بل عملاً يحتاج إلى تأثيث بعبارة المختصين في النقد؛ أي أنه عمل ذو فجوات ومساحات فارغة تحتاج من القارئ إلى جهد كي يملأها، ومن هنا نقول بأنها رواية تزرع الشك، وتزعزع اليقين، ولا تدّعي إعطاء الحقائق، بل تحرج القارئ وتضعه أمام نفسه ليحل ما فتلته، ويؤثث ما يحتاج إلى تأثيث؛ فهي رواية صعبة متسائلة.
ومهما حاول الروائيون ونقادهم العرب أن يوظفوا الحداثة الغربية بشعور أم بلا شعور، فقد وظف ماركيز وبورخيس وغيرهما ألف ليلة وليلة في رواياتهم،  وهذا ما صرح به غبرائيل ماركيز (أن نوعاً من فنه يعود إلى بقايا التراث العربي المضمر في الفن الشعبي الأمريكي اللاتيني)، وإذا كان ما يُسمّى الحداثة الروائية العربية، والتي ظهرت في ثمانينيّات وتسعينيّات القرن المنصرم قد تأثر بحداثة الغرب، فقد كان الفرنسيون -ومنهم فلوبير- يستنسخون ألف ليلة وليلة في القرن التاسع عشر، والعرب يحاولون التخلي عن سردياتهم التراثية العربية، باحثين عن الواقعية السامجة.