(غول) الفضائيات.. كيف نحجمه؟

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في تحقيق . بتاريخ : May 13 2012 | العدد :66 | عدد المشاهدات : 3016

(غول) الفضائيات.. كيف نحجمه؟

نسخة للطباعة
خلال سنوات قليلة فقط أضحت الفضائيات المنتشرة في الفضاء العالمي، من أعظم الهواجس بالنسبة للخبراء والمصلحين والمشتغلين بالتربية والإصلاح الاجتماعي في العالم الإسلامي؛ فهذه الفضائيات التي يتزايد عددها كل يوم تفرض تحديات كبيرة عليهم، لابد من مواجهتها وتجديد أدوات هذه المواجهة بين كل فينة وأخرى.
وتحدث مجموعة من العاملين في مراكز استشارات اجتماعية، وآخرون ينشطون في مجال الإصلاح الاجتماعي في السعودية، عن أن الفضائيات تمثل عند كثير منهم مصدر كل الجوانب السلبية التي بدأت تظهر على الشباب المعاصر، من ارتهان للعادات، والموضات التي تظهر في الغرب، والحرص على التمسك بها في الداخل هنا، في مقابل التبرؤ من كل التقاليد الحسنة التي توجد في بلده.
 المستشار الاجتماعي السعودي البارز عبد العزيز بن علي السويد يرى أن الفضائيات ألقت بحجر ثقيل للغاية في حياة الشباب، وجعلته في منعطف خطير، فإما أن يتجاوب أو يقاطع ويتمسك بقيمه التي تربى عليها، ويشير هنا إلى أن الفضائيات بحكمها شيئاً جديداً، ولم تظهر إلاّ في السنوات الـخمس عشرة الماضية فإن تأثيرها كان واضحاً على الشباب السعودي، لكنه أوضح بأن هذا التأثير محكوم بكيفية الاستخدام، والاستخدام بدوره محكوم بالعقلية التي تتفاعل مع الانفتاح، وهذه العقلية أيضاً محكومة بالتأسيس الفقهي النوعي، وكذا ثقافة المجتمع. فالانفتاح على الدين مثلاً بالغرب يسبقه مخاض تداول الأسئلة وعدم وجود الأحكام الاستباقية؛ لأن الحرية واستقلال الشخصية يوجد نوعاً من عدم الاندفاع للجديد، بعكس المجتمع المحافظ والمنغلق.
ورأى السويد أن الانفتاح الفضائي أحدث تغيراً واضحاً لدى الشباب؛ فقد عرفوا أن هناك أكثر من تفسير للرأي الواحد، وأن معاني الكلمات لم تعد محددة،  وأن المفاهيم تتغير بحكم البيئة، فلم يعد الاجتهاد محكوماً بفترة زمنية أو جغرافية معينة، كما تغيرت نظرة الشباب للمعايير التي تُقاس بها الأشياء، فلم يعد التفسير الوحيد الذي تشربوه أو تعلموه في المدارس هو التفسير الأخير والأوحد لفقه الواقع. 
وأكد في تصريحات لـ(الإسلام اليوم) أن الطريقة المثلى لاستفادة العرب والمسلمين من الانفتاح الإعلامي أن ينفتحوا أكثر، وينتجوا بدلاً أن يستهلكوا منتجات الانفتاح، (فلم يعد خيار الانكفاء والانغلاق والحجب ممكناً، لكن يمكن تقديم البديل الذي سيجدي أكثر).
وحول أداء الفضائيات الإسلامية ذكر المستشار عبد العزيز السويد أنه إذا كانت الفضائيات غير الإسلامية تخاطب الغرائز فإن الفضائيات الإسلامية تخاطب العواطف (بكل شحن تعبوي بعيداً عن إعمال العقل، من خلال تجييش العاطفة الدينية، والتركيز على الجزئيات، فأصبح الكل يتحدث باسم الإسلام).
أما المستشار عادل الخوفي فقد اعتبر أن بعض الفضائيات العربية، ليس لها هم إلاّ طمس الهوية الإسلامية وذوبانها لدى مجتمعات المسلمين، "فليس لميزان الحلال والحرام، أو المعتقدات والقيم والثوابت الشرعية، أي مرجعية فيما يُعرض على شاشات هذه القنوات"، وزاد "لقد توافقت هذه القنوات على هدم المعتقد الصافي، والدعوة إلى الملل والنِّحل في العالم على اختلافها، مع تلميعها وبث الدعاية لها، ونحر الحياء والخُلُق بالمقاطع الخليعة، وإلهاء النشء بتوافه الأمور وسفسافها؛ برامج حوارية، ودراسات، وتحليلات، ومسلسلات، وأفلام، وحفلات غنائية، ومقاطع دعائية، تُعرض في بيوتات المسلمين، يراها الكبير والصغير من أبناء الموحدين، تَجَمَّلت بكل شيء إلاّ في انتمائها إلى الإسلام، وتوافرت فيها مقومات عديدة إلاّ من المبادئ التي شرعها لنا مولانا الرحيم، وسَنَّها رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم- إلاّ ما رحم الله. كما أنَّها أبرزت شعارات الأمم الكافرة، وأبرزت طقوسها، وعاداتها، وسيما مجتمعاتها، كالاختلاط بين الجنسين، والرقص والملابس العارية، والعلاقات المحرَّمة، حتى أمسى بعض أبناء المسلمين، وقد غُسِلَ مخه، ودُمِّرت عقيدته وأخلاقه". 
وأشار إلى أن هذه القنوات ساهمت في بناء جيل من أبناء المسلمين، عُرِفَ بانهزاميته النفسية والفكرية، وتميّعه، وتخاذله، وتنازله عن قيمه المجيدة، وعاداته الحميدة، وشرعه المطهر، انهزام كامل، وانبهار بما لدى الغرب أو الشرق من مغريات الحياة؛ فالإيمان بالله والخوف والخشية منه واللجوء إليه، وعقيدة الولاء والبراء، والتزام الأحكام الشرعية، والعلاقات الدولية والاجتماعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاختلاط، والحجاب، وبر الوالدين، كل هذه وغيرها أصبحت أموراً تحتاج إلى مراجعة؛ فهذه القنوات توحي لمشاهديها أنهم عاجزون عن الالتزام بها، وأنهم يجب أن يستجيبوا للواقع، وكأن هذا الواقع أمر كوني من الله تعالى.
كما لفت المستشار الخوفي إلى جانب آخر لاحظ أن الفضائيات توليه أهمية قصوى يتمثل في تلميع الشخصيات العاطلة، أو الهدَّامة في مجتمعاتها، ويقول: "لقد جعلت الفضائيات منهم نجوماً وقادة وعُظماء؛ فالمطربون والفنانون واللاعبون والمنحرفون، وكل خاوٍ وَكافر، أو من قَلَبَ لأمته ظهر المجن، فإن له فُسحة من الضوء واللقاءات والحوارات وتمجيد شأنه، وتبيان فِكره وأهدافه، وفي المقابل يوصم النبلاء والفضلاء والصالحين والمجاهدين بما يُقَلِّلُ من شأنهم، أو يُشكك في أهدافهم، أو يلمز في علاقاتهم".
وعن الطرق المثلى للاستفادة من الانفتاح الإعلامي لصالح العرب والمسلمين، أعطى الخوفي مجموعة من المقترحات تمثلت في تحصين الشباب من الأفكار السلبية، وتوظيف الانفتاح الإعلامي لصالح العرب والمسلمين، من خلال استثمار هذا الأمر في نشر العقيدة والثقافة الإسلامية، وإقامة الدروس العلمية، والدورات التدريبية، واللقاءات الحوارية، والبرامج الترويحية والترفيهية، إلى جانب العمل على تكوين الشخصية المتميزة على مستوى الفرد والأمة، مع بيان ملامح الهوية الإسلامية الأصيلة، حتى لا تختلط على المجتمع المفاهيم، وذلك من خلال الاهتمام بإبراز القدوات من السلف والخلف، وربط الناشئة بهم، وبيان أقوالهم وفتاواهم وسيرهم. 
بدوره اهتم سعيد بن عبد الرحمن العمودي مدرب التنمية البشرية وتطوير الذات في حديثه لـ(الإسلام اليوم) بتبيان الفروقات بين الشباب الذي نشأ في الفترة التي سبقت الانفتاح الإعلامي والآخر الذي نشأ في ظل هذا الانفتاح، وذكر بأنه لكي يُعرف الفرق لابد أن يتأمل المرء بنظرة فاحصة الشباب في الفصول الدراسية، أو في الأسواق، أو في الشوارع، وهنا سيلاحظ الذي حصل! (الملابس، قصات الشعر، طريقة الحديث والأفكار)، كل هذا يعطي انطباعاً سريعاً عن حجم التأثير الذي تسببت به.
أيضاً من زاوية أخرى –يقول العمودي-: تغيرت العادات الغذائية، بعد أن كانت العائلة تجتمع على مائدة واحدة، ومن يتخلف يُعاتب، ولا يجد طعاماً آخر إلاّ في الوجبة التي تليها، أما بعد الفضائيات، أصبح هناك اختلاف في أوقات تناول الطعام بين أفراد العائلة بسبب محاكاة ما يعرض في الشاشة من أفلام أو مسلسلات! أو بسبب اختلاف البرامج والاهتمامات والتي يصعب جمعها في شاشة واحدة!
وعليه فإن المستشار العمودي يخلص إلى أن الفضائيات أحدثت تغيراً كبيراً فيما يتعلق بعدد من الجوانب أهمها الجانب الشرعي، وذلك من خلال تهميش دور المرجعيات الشرعية؛ إذ إن ما يتلقاه من بعض ما يُعرض يتنافى مع ما أُمر المسلم باجتنابه وتركه، ثم يراه في أجمل وأبهى صورة غافلاً عن مراقبة الله له، خاصة عندما يرى الخطأ بلهجته فيسهل تقبله له، إضافة ربما للفتاوى الشاذة التي تعرض في بعض الفضائيات والتي تشوش على المتلقي.
واستعرض كذلك أثر الفضائيات على الجانب الاجتماعي؛ إذ ذكر بهذا الصدد بأن هناك كثيراً من الظواهر الاجتماعية المزعجة كانت حبيسة البيوت لا يعلم بها إلاّ القريب منها أو من يشارك في حلها، ولكن بعد الفضائيات أصبحت تُجسّد على شكل مسلسلات تدمر الروابط الاجتماعية بسرد الخيانات، والعلاقات المحرمة على شكل علاقة بريئة يتمنى المشاهد استمرارها حتى يرى السعادة في محيا بطل أو بطلة المسلسل أو الفلم، أيضا يُضاف إلى الجانب الاجتماعي- يواصل العمودي- أن بعض المجتمعات كان يغلب عليها الطابع الاجتماعي المحافظ، فتعرض عليها أعمال فنية من مجتمعات متحررة تسبب صدمة كبيرة لمن في قلوبهم مرض، وللمراهقين والمراهقات. أما فيما يتعلق بالجانب الثقافي فيرى سعيد العمودي أن الكتاب أصبح عند البعض بعد الفضائيات جزءًا من الماضي ، و أصبح من الصعوبة بمكان أن تقنع شاباً أو شابة أن يقرأ كتاباً بمقابل برنامج يحوي لقطات ملونة يستمتع بها، و لا يستطيع أن يغمض عينية من فرط الإثارة التي ترافق ما تعرضه الشاشة، لذلك "لا نستغرب ضعف القراءة عند جيل الفضائيات وضعف قدرتهم على الإنتاج الأدبي أو الفكري مقارنة بالماضي الذي كان الترفيه والتثقيف مقترناً دوماً بالكتاب".
من ناحيته يرى الخبير في التربية جمال بن يوسف الهميلي أن الفضائيات هي "نعمة من الله"، لكن يجب علينا أن نستخدمها في الأشياء التي تعود على الأمة بالنفع، أما ما يحدث حالياً من تعامل مع هذا الانفتاح فلا يقود إلى نهضة أو تنمية، وإنما إلى عكس ذلك تماماً.
وأكد على ضرورة تغليب الجانب النفعي في الفضائيات، مؤكداً بهذا الصدد أنه من خلال الفضائيات يمكن التعرف على تجارب العالم الخارجي من شرق وغرب، والسعي في نقل تجاربهم بعد تصفيتها مما يشوبها من مخالفات عقدية أو عرفية، وبما لا يتعارض مع عاداتنا وقيمنا، واستخدام القنوات في تنمية المجتمع العربي والإسلامي والنهوض به عن طريق نشر العلم،  وزيادة الدافعية نحو التكنولوجيا وتوظيفها الصحيح، إضافة إلى توظيف هذه القنوات في إيصال رسالتنا الإسلامية الصحيحة النقية إلى العالم أجمع، والمبادرة في إنقاذ البشرية مما تعانيه من ضياع وتشرد، وزيادة التواصل بين المجتمع العربي والإسلامي والتقارب الفكري، وتقليل الخلافات، والتباين بين أبناء المجتمع الإسلامي.
وتحدث الهميلي عن الفضائيات الإسلامية، واعتبر أنها حققت تقدماً كبيراً ونهضة نوعية في توظيف الإعلام قياساً بعمرها الزمني، فهي لم تتجاوز أكثر من عقدين من الزمن، ومع هذا فقد كسبت الكثير من المشاهدين، وقدمت الكثير من البرامج والطروحات التي ساهمت في تقليل الآثار السلبية للقنوات الفضائية، كما أوجدت بديلاً جيداً للباحثين عن العمل الفضائي الخالي من المخالفات الشرعية.