والتيسير فِقْه

كتب بواسطة: د. عبدالوهاب الطريري | في الأخيرة . بتاريخ : Mar 1 2011 | العدد :77 | عدد المشاهدات : 2541

والتيسير فِقْه

نسخة للطباعة
   على شاطئ نهر بالأهواز قد نضب عنه الماء كانت طائفة من التابعين يتحرفون لقتال الخوارج، فجاء أبو برزة الأسلمي صاحب رسول الله [ على فرس، فنزل يصلي صلاة العصر، فعمد إلى عنان فرسه، فجعله في يده، فنكصت، فجعله في يده، فجعلت الفرس تنازعه وهو يتبعها، فلما ركع انفلت العنان من يده وانطلقت الفرس، فنكص أبو برزة على عقبيه، ولم يلتفت حتى لحق بها فأخذها، ثم مشى كما هو حتى أتى مكانه الذي صلّى فيه.
     فرآه رجل من التابعين قد هوي رأيًا من رأي الخوارج فقال: انظروا إلى هذا الشيخ فعل الله به، ترك صلاته من أجل فرس، فلما قضى أبو برزة صلاته وسلّم أقبل عليهم فقال: إني سمعت قولكم، وما عنّفني أحد منذ فارقت رسول الله [ وإني غزوت مع رسول الله [ ست غزوات أو سبع غزوات أو ثمان، فرأيت من رخصه وتيسره وأخذت بذلك، وإني كنت أن أراجع مع دابتي أحبّ إليّ من أن أدعها حتى ترجع إلى مألفها فيشقّ عليّ، ولو أني تركت دابتي حتى تلحق بالصحراء،  ثم انطلقت شيخًا كبيرًا أخبط في الظلمة كان أشد عليّ ومنزلي بعيد، فلو صلّيت وتركتها لم آت أهلي إلى الليل.
عندما تتأمل هذا المشهد ترى صاحب رسول الله [ يؤدي العبادة محافظًا على روحها وهو حضور القلب فيها، مراعيًا رخص الشرع وتيسيره، بينما ترى ذلك التابعي الذي سلك الشطط والتضيق، وأنكر ما صنع الصاحب السابق إلى الإسلام المجاهد مع رسول الله [ وهذا يلفتنا إلى بعض أصول التشديد التي يتقحّمها المشدّدون في عبر منها:

1 - إن الصحابي يتلقى الحكم من رسول الله [ مراعيًا مساقه بين أحكام الشريعة وما يحفّ  به من مقاصد الشرع العامة، ومستحضرًا رخص الشرع وتيسيره في مواضعها، بينما يأخذ من قلّ علمه من التابعين الحكم مجرّدًا من هذا كله، فيوغل فيه ويشطط، وكانت أجلى صور هذا الغلوّ ما وقع فيه الخوارج -وهم من جيل التابعين- وبين ظهرانيهم أصحاب رسول الله [ ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله [ معهم؛ إذ كان فقه الصحابة للشرع يعصمهم من هذا الشطط الذي  تهوّك فيه أولئك.

2 - إن بعض التابعين ربما حاول تدارك ما  سبق به الصحابة من الفضل بنوع من الشدة على النفس وعلى الغير، ولذا وُصف الخوارج للصحابة بأنكم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، ووُصفوا لنا بأن جباههم كركب المعز من كثرة السجود، وهذا التحفّز لتدارك الفضل قد يفضي إلى اجتهاد محمود، وربما قصّر فيه الفقه فأفضى إلى شطط مذموم يتنكر لرخص الشارع ويعسر حيث يسر، ويتنزّه عما أذن فيه وأباح.

3 - إنه كلّما رسخ العلم وعمق  الفقه أفضى إلى يُسْر الشريعة، والتخفّف من الحرج، وتحصيل مقصود الشارع، وإذا قلّ العلم أفضى الاجتهاد في أحيان كثيرة إلى العسر والحرج والقصور عن حكم الشارع وحكمته، ومثال ذلك في حال أبي برزة  ومن أنكر عليه، فأبو برزة أدرك بفقهه أن المقدم في الخشوع في الصلاة حضور القلب فيها وخلوّه  من الشواغل، ولذا أمسك فرسه وهو يصلي حتى لا ينشغل قلبه بها عن روح صلاته، بينما نظر من أنكر عليه إلى صورة الخشوع وهي قلة الحركة في الصلاة، مع أنّ ما سيحصل من انشغال القلب أعظم في تفويت مقصود الصلاة من هذه الحركة، وهكذا تجد عند العلماء الراسخين في العلم المتعمّقين في الفقه من السعة واليسر ورفع الحرج ما لا تجده عند من قصر فقهه عن ذلك من المتفقهين، والذين ربما ألزموا أنفسهم وغيرهم طرائق من العنت والعسر، وفي ميراث أئمة الفقه المتبوعين كالإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعلماء الإسلام المجتهدين كشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن علماء العصر الشيخ رشيد رضا، وابن سعدي، وابن باز أمثلة مشعّة لذلك .

   ويزيد هذا المعنى وضوحًا حديث قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري، وهما صحابيان من ذوي السابقة في الإسلام، وممن شهد بدرًا، وقد حضرا عرسًا، وفيه جوارٍ يغنين، فجلسا يستمعان، فدخل عليهما عامر بن سعد بن أبي وقاص، وهو من التابعين، فلما رآهما استنكر ذلك، وقال لهما: أنتما صاحبا رسول الله [ ومن أهل بدر يفعل هذا عندكم؟! فقالا له: اجلسْ إن شئت فاستمعْ معنا، وإن شئت فاذهبْ، قد رخص لنا في اللهو عند العرس.