د. فكتور سحّاب : أنتظر «إيلاف قريش» جديداً

كتب بواسطة: وليد الحارثي | في حوار . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :80 | عدد المشاهدات : 4428

د. فكتور سحّاب : أنتظر «إيلاف قريش» جديداً

نسخة للطباعة
باحث ومؤرخ ومترجم وإعلاميٌ. الدكتور اللبناني فكتور سحّاب الذي أمضى في الإذاعة والتلفزيون في لبنان نحو أربعين سنة، حيث كان مدير البرامج في إذاعة لبنان. مهتم بالثقافة وتاريخ أديان المشرق العربي، وتاريخ الموسيقا العربية. كتب أُطروحة الدكتوراه: "إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف"، والتي بصدد إعادة طباعتها الآن.
حاضر ضيفنا في الجامعات اللبنانية لمدة (14) سنة، في موضوعات التاريخ السياسي والفكري والتاريخ الفني والثقافي. عندما تتحدث إليه، فأنت تتحدثُ إلى شخصٍ يمتلك ثقافة عاليةً، ويتمتع بهدوء يأسرك. متعةٌ فكرية نقدمها لكم عبر (الإسلام اليوم) مع الدكتور فكتور موسى سحّاب. هذا حوارنا معه:
 من هو د. فكتور سحّاب ابتداء؟
 بدأتَ بأصعب سؤال، وأرجو ألاّ تكون أسئلتك التالية بالصعوبة نفسها. فالمرء قد يعرف جميع من عداه، إلاّ نفسه. لكن سأحاول. أنا من مواليد يافا في فلسطين سنة 1942م، والدي -رحمه الله- لبناني ماروني من عائلة مقدَّمين من كسروان، ووالدتي -رحمها الله- فلسطينية من عشيرة أرثوذكسية كبيرة من يافا، لكن والدها عطا الله زَبَانة كان قسًّا بروتستانتيًّا، شاعرًا وموسيقيًّا وخطّاطًا. وأنا ثالث إخوتي الأربعة، الذين أولهم إلياس الكاتب والناقد، وثانيهم سليم قائد الأوركسترا، ورابعنا سمير. نشأنا في بيت ثقافته عربية شعرًا وموسيقا، لكننا ألِفنا من الوالدة التراتيل البروتستانتية الكلاسيكية الطابع.
وفتحتُ عينيّ لأجد في بيت والدي موسوعة لاروس الفرنسية طبعة سنة 1937، ضمن مكتبة عامرة بمعايير ذلك الزمن. فأحببت الكتب؛ لأنني وجدت في الموسوعة التاريخ والجغرافيا معًا. وكان جدي القس -رحمه الله- وأولاده، والدتي وأخوالي وخالاتي، يعشقون الغناء العربي الكلاسيكي. فإذا كان لنا أن نفخر بشيء فينا، فالفضل لله وللبيئة التي أنشأتنا في حوض ثقافي من الصنف الممتاز.
باختصار أنا مؤرخ، دراستي الجامعية كلها التاريخ، من الإجازة حتى الدكتوراه، أما باب رزقي فكان الإعلام؛ إذ أمضيت في الإذاعة والتلفزيون في لبنان نحو أربعين سنة، حتى بلغت مرتبة مدير البرامج في إذاعة لبنان. أما الهواية فهي لا شك القراءة والموسيقا الراقية، الكلاسيكية العربية خصوصًا.
تولَّيت مناصب منها منصب نائب رئيس مجلس الموسيقا الدولي، التابع لليونسكو، ولا أزال عضوًا في وفد لبنان إلى مجمع الموسيقا العربية. حصلت على منحة فولبرايت الأمريكية للأبحاث، ومكثت ثمانية أشهر في جامعة جورجتاون، باحثًا زائرًا، وفيها كتبت أطروحة الدكتوراه: إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف. حاضرتُ في الجامعات في لبنان 14 سنة، في التاريخ السياسي والفكري والتاريخ الفني والثقافي.
 كيف كانت حياة الطفولة، ومراحل الحياة الأولى بين فلسطين ولبنان؟
 كان والدي في يافا مدير المحاسبة في شركة لاستيراد السيارات، وفي سنة 1945، انتقل عمله وسكنه إلى عمّان، ومن هناك عاد بنا إلى لبنان سنة 1947، قبل نكبة فلسطين. كنا بدأنا في الرّوضة في عمّان، بنظام تعليم إنكليزي، ولما انتقلنا إلى لبنان، تحوّلنا إلى نظام تربوي فرنسي، فكان أن بدأنا أنا وسليم في الصفّ ذاته، مع أنه يكبرني سنة. وهكذا سارت أمورنا في المدرسة معًا، وكأننا توأمان. أما إلياس فكان في صفوف أعلى بالطبع. وفي الصفوف الثانوية كان الخاطر يلحّ على سليم ليدرس الموسيقا، فيما كان ميلي يجنح إلى الرياضيات والعلوم، مع تلذّذي الواضح بالتاريخ والجغرافيا. وبعد سنتين أمضيتهما في الكونجو مدرّسًا للرياضيات والعلوم، في مطلع حياتي العملية، قصدت ألمانية لدراسة هندسة الصناعة الثقيلة، لكن مشروعي فشل في بدايته، فعدت وليس في جعبتي سوى اللغة الألمانية، ودخلت في لبنان مهنة الصحافة، ودرست التاريخ في الجامعة حتى الدكتوراه. أما سليم فكان قد حصل على منحة لدراسة قيادة الأوركسترا السمفونية والأوبرا في معهد تشايكوفسكي في موسكو، بعدما أنهى دراسته في المعهد الوطني اللبناني.
 ما أكثر شيء أثّر في شخصيتك، وصقلها حتى أصبحت كما أنت هي عليه الآن؟
 أنا من المؤمنين بأن الطفل أقدر على الاستيعاب، وتضعف قدرته هذه كلما تقدّمت به السن. ولذا أعتقد أن اللحظات الأقرب إلى بداية العمر، هي اللحظات الأشد تأثيرًا في شخصية الطفل وفي تكوينه وتكوين مزاجه وشخصيته. وأتمنى لو أعرف كيف يزنون العناصر المؤثرة لأجيب عن سؤالك، لكنني أظن أن التزامي العروبة وثقافتها ومحبة الإسلام وحضارته، صنعته نكبة فلسطين واختلاط الدم في عروقي، وتلك السبيكة الثقافية التي نشأنا عليها. فإلى يميني خال فلسطيني، وإلى يساري عم لبناني، وكان جدي لأمي يروي لنا الشعر العربي، ويخط لنا أبياتًا على ورق، بقصب وحبر صيني، بخط الثُلُث أو الديواني. وحين تحب هذه الأمور صغيرًا، تصبح أثمن ما لديك في نظرك. ويصير الدفاع عن هذه الثقافة قضية لا تملك أن تُشيح عنها، مهما حاولت. تصير طبيعة ثانية في داخلك.
 أين تكمن الإشكالية المسيحية في تحليلك الشخصي دكتور فكتور؟
 أظن أن الإشكالية معقدة، ويصعب تبسيطها. لكن العامل الأول في الإشكالية، إذا كنت تقصد المسيحية العربية، فهي أن هذه المسيحية، منذ بدايتها، كانت غير المسيحية الغربية الأوروبية. وقد كتبتُ في كتابي: العرب وتاريخ المسألة المسيحية (1986)، أن المسيحية العربية التي عاندت محاولة التطويع البيزنطي للمسيحية الأولى، كانت تتسم بِسِمتين واضحتين: الأولى هي الميل إلى التوحيد (آريوس الليبي، وبولس السميساطي، وغيرهما، ثم مذهب الطبيعة الواحدة) والثانية هي مقاومة السيطرة الأوروبية على المشرق العربي. ولذلك كان طبيعيًّا أن تُسلِس شعوب المشرق قِيادَها للإسلام بعدئذ؛ لأنه ورث هاتين السمتين بجدارة؛ إذ كان موحِّدًا بلا تسويات ولا حلول وسط، وكان مقاومًا للسيطرة البيزنطية، ثم فيما بعد الصليبية. لقد لبّى الإسلام التَّوق الذي كان يعتمل في وجدان عرب المشرق. وحين يقول لنا الغرب اليوم: أنتم مسيحيون مثلنا، ونصدّقه نحن، تنشأ الإشكالية التي تتحول إلى مشكلة سياسية. نحن مسيحيون، لكننا لسنا مثلهم، فنحن مسيحيون عرب، تحتوي ثقافتنا وحضارتنا الكثير من عناصر الحضارة الإسلامية هذه، فوق ما كانت ولا تزال تحتويه من أصول مسيحية مشرقية متميزة.
 من يحمي المسيحيّين العرب اليوم؟
 حين قال مناحيم بيجين سنة 1981 إنه يريد أن يحمي مسيحيي لبنان، أصابني رعب حقيقي؛ لأنني أيقنت، وكانت الحرب الأهلية اللبنانية مستعرة، أن إسرائيل عازمة على عمل خبيث. فانصرفت إلى المراجع التاريخية، وأردت أن أستخلص منها الجواب: متى اضطُهد المسيحيون العرب، ولماذا، وما هي الدروس المستفادة. فاكتشفت ما لم أكن أتوقعه، وكتبت الحصيلة في كتابي: من يحمي المسيحيّين العرب؟ (1981).
لقد اضطُّهد المسيحيون العرب ثلاث مرات في التاريخ في الإجمال: في الفترة البيزنطية، بسبب معارضتهم المذهب الرسمي البيزنطي، فيما كانت الدولة البيزنطية تريد أن تفرض مذهبها الرسمي الخلقيدوني لتفرض هيمنتها السياسية. ثم في الحقبة الصليبية؛ إذ إن ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق الكبير يقول إن سكان بلاد الشام كان أربعة أخماسهم نصارى قبيل بدء الحروب الصليبية. ونعلم أن النسبة انخفضت انخفاضًا شديدًا، من جرّاء هذه الحروب. وفي العصور الحديثة، نعرف أن المذابح الطائفية في جبل لبنان في القرن التاسع عشر لم تحدث إلاّ بعد تدخل الدول السبع الأوروبية بسنوات عديدة، في الشؤون العثمانية الداخلية. وكانت الفتن من صنع القناصل، يحرّضون الأخ على أخيه، من أجل تسويغ تدخلهم السياسي والعسكري.
وفي الحالات الثلاث إذن كان التدخل الغربي هو الذي يُحدث الفتن، من أجل أن يسوّغ التدخل، بحجة حماية المسيحيّين. واستنتجتُ في الكتاب أن أفضل حماية للمسيحيّين العرب هي كف اليد الغربية عن المسيحيّين، وأن قوة الدولة العربية ومِنعتها، وانتماء المسيحيّين العربي هما اللذان يحميان المسيحيّين العرب. وقد حدث بعد نشر كتابي هذا، أن هُجّر المسيحيّون من قرى الجبل في لبنان سنة 1983، بعد اجتياح الإسرائيليين لبنان، هُجِّروا تحت سمع جيشهم وبصره، وفي "حماية" مدافعه. ثم نعرف ما حدث للمسيحيّين العراقيين بعد الغزوة الأمريكية، وكانوا قبلها آمنين في ديارهم. وهذه حوادث مؤسفة، تُثبت صحة مقولتي، وتؤكد أن على المسيحيّين العرب أن يشدّوا الأواصر التي تجمعهم مع إخوتهم المسلمين في الدفاع عن بلدانهم، لرد كل عبث خارجي، يفتعل الفتن. وعلى المسلمين العرب في المقابل أن يتّسِموا بسماحة الإسلام التقليدية، لا من باب حسن الأخلاق فقط، بل من باب الدفاع عن الذات مما يُبَيَّت لنا جميعا من فتن.
 هل المسيحيون العرب مهدَّدون بالتهجير؟
 نعم، بالتهجير من أجل استنزاف الكفاءات العربية، ولكنهم مهدَّدون بالفتن أيضًا، وهي أخطر من التهجير؛ لأنها تقصد الضرر للمسيحيّين والمسلمين معًا.
 لماذا يبدو أحيانًا أن المسيحيّين أوفر حظوظًا من ناحية الثقافة، والمناصب والناحية الاقتصادية؟
 لا يبدون أحيانًا، بل هم كذلك، لأسباب نعرفها بوضوح حين نطالع تاريخ العمل القنصلي الذي كان يتولاّه قناصل الدول الأوروبية السبع في السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر على الأخص. ففي الوثائق الفرنسية التي نشرها المرحوم الدكتور عادل إسماعيل، عن المراسلات الدبلوماسية بين القناصل الفرنسيين في جبل لبنان ووزارة الخارجية الفرنسية في ذلك القرن، نجد أن الوكالات التجارية لم تكن تعطَى إلاّ لمسيحيّين. وأُنشئت الجامعة الأمريكية في بيروت من أجل المسيحيّين، ثم لحقت بها الجامعة اليسوعية التي أنشأها الفرنسيون، وأقيمت جمعيات خيرية، وبعثات تبشيرية، وأُنشئت مستشفيات ومدارس، وما إلى ذلك، حتى يرتقي المسيحيون ويمتازوا على المسلمين، فتنشأ فروق اجتماعية واقتصادية حقيقية وشروخ ثقافية، تؤدي إلى شكوك وظنون بعضنا ببعض، وتتحوّل مع الوقت إلى فتن أو مشاريع فتن. وما كانت تفعله فرنسة في جبل لبنان، فعلته بريطانية والنمسة وروسية وغيرها في فلسطين.
لم تكن التنمية عادلة، وكان تمييزها متعمدًا. أما الآن فيغبطنا أن المسلمين ما عادوا متخلفين عن الركب العلمي والحمد لله، وهذه ضمانة لتسوية الفروق، وإزالة الشروخ الاجتماعية.
 لِمَ يعتقد وينادي د. فكتور سحّاب بأن البيئة التي حضنت المسيحية الأولى كانت عربية؟
 لأن هذه هي الحقيقة التاريخية التي يغفل عنها بعض المؤرخين، ويخفيها عمدًا بعضهم الآخر. بلدة السيد المسيح هي الناصرة، وهي كانت في حدود انتشار قبائل اليَطوريين العرب، الذين كانوا في حال ثورة على رومة أيام السيد المسيح. وكانت ثورتهم تبحث عن قائد. كانت الناصرة خارج نطاق التجمع العبراني في فلسطين. ولكن من الناحية السياسية، خرج السيد المسيح من بيئته العربية الثائرة هذه، ليذهب إلى القدس حيث كان ثمة كثافة يهودية، عادَته وطالبت بصلبه. وحين بدأت المسيحية تنتشر، انتشرت في شرق الأردن وحوران أولاً، أي في مملكة الأنباط العرب. حتى المقاطعة اليهودية في فلسطين كان يحكمها هيرودس، وهو إيدومي عربي متهوِّد. وكانت دمشق تحت حكم أسرة عربية، وكان لبنان مجال امتداد اليطوريين العرب، وكانت مملكتا حمص وأفامية (قرب حماة اليوم) من الممالك العربية. وحتى مملكة الأباجرة في جنوب تركية، كانت مملكة عربية أيام السيد المسيح. السيطرة الخارجية وحدها كانت رومانية. وفي هذه البيئة اشتد ساعد الدين الجديد، فيما كانت رومة تقتل المسيحيّين الأوائل وتضطهدهم بالموت. حتى إنهم ابتكروا شعارًا يتعارفون به سرًّا؛ إذ كانوا يرسمون على رمل الصحراء سمكة، فيدركون أن هذه كلمة السر فيما بينهم. وحين كان يشتد الاضطهاد، كانوا يَغِلون في الصحراء. وهذه المسيحية الأولى هي التي بقيت آثار منها في شبه الجزيرة العربية، عند مَن عُرفوا بالأحناف. أما المسيحية التي اعتنقتها رومة وبيزنطية، فتأسست عقيدتها في كنف الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع، في مجامع نيقية، ثم في القرن الخامس في خلقيدونية. فأدخلوا في العقيدة المسيحية مبادئ الفلسفة اليونانية والتثليث الروماني. وهذا ما يؤكده الإيمان الإسلامي الذي يتحدث عن تحوير الرسالة الأولى التي جاء بها السيد المسيح.
 ما الأثر الذي أحدثه إهمال العرب المتأخرين لتاريخ العرب قبل الإسلام؟ وأين يقف الغربيون من هذا التاريخ أيضاً؟
 نعم! العرب المتأخرون؛ لأن العرب في العصور الإسلامية المبكرة لم يهملوا أبدًا التاريخ الجاهلي، ولدينا في مرويات الإخباريين الإسلاميين تراث هائل من تاريخ الغساسنة والمناذرة وتاريخ حِميَر وعُمان والقطيف، وغير ذلك. ولقد تبيّنت في كتابي: إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف (1991)، أن السنوات المئة التي سبقت الإسلام كانت سنوات خصبة على الصعد الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي، واستنتجتُ أن الإسلام جاء تتويجًا دستوريًّا وعقديًّا لمسار مهّد لظهور الإسلام. ولو لم نفهم ما سبق الإسلام، لما استطعنا ربما أن نفهم هذا المسار التاريخي العظيم. ويحضرني في هذا قول شريف: أبى الله أن يُجري الأشياء إلاّ بأسبابها؛ فقد كانت المقدمات تمهيدًا طبيعيًّا للرسالة الإسلامية.
ثم إن الحضارة دين واقتصاد وسياسة واجتماع وفنون وثقافة، وليس مقبولاً أن نُجرّد أنفسنا من أسلحة الحضارة العظيمة التي نملكها، فنقف عراة أمام الأمم الأخرى من منجزات حضارية يحق لنا أن نفخر بها. وقد تنبّهت المملكة لهذا الأمر. فأولت التاريخ السالف اهتمامًا وجهدًا. ونلاحظ هذا الجهد العظيم الذي يُبذل الآن في التنقيب الأثري، والأبحاث التاريخية الحديثة، وأخص بالذكر فيه الدكتور عبد الرحمن الطيب الأنصاري الذي أنشأ فريقًا ممتازًا من الباحثين. إن معرفة جذورنا وأصول حضارتنا سلاح يجب أن نتسلح به في هذا العالم المتزاحم من حولنا.
 ما الذي ينتظرك في الحياة؟   
 الغيب بيد الله. أمّا ما أتمناه فهو استكمال كثير من أفكار تلحّ عليّ في الكتابة.
 بالتأكيد تقرأ الصحافة. أيًّا منها تتابع؟
 بصراحة، أنا ممن جرفتهم موجة الشبكة الدولية "الإنترنت"، على الرغم من أنني أقرأ الصحف على الورق. لكن نسبة كبيرة من قراءتي اليوم تنصرف إلى مواقع متخصصة في الفكر السياسي والاقتصادي، مثل (كاونتر بانش) و(آنتاي وور) و(أميركان كونسرفاتيف) و(ويكلي ستاندرد) و(فورين أفيرز) و(لوموند دبلوماتيك) و(دير شبيغل) والمواقع العربية والإسرائيلية، وهي وفيرة المادة ومتنوعة، وتتيح لك أن تتبيّن بالمقارنة شيئًا من حقائق زمننا الحاضر. في السعودية، أفضّل جريدة (الحياة)؛ لأنها تتناول أوضاع المملكة، لكنها لا تهمل الوضع العربي والدولي والرياضة وغيرها. وفي لبنان أطالع جرائد (الأخبار) و(السفير) و(النهار).
 كتاب هزّك كثيرًا.
 أذكر أن مقدمة إبن خلدون، حين قرأتها، شغلتني نحو سنة، فقد سحرني عمق المعالجة الذي اتّسمت به، وأيقنت أنها في ذلك الزمن، أي قبل أكثر من ستة قرون، لم يكن ثمة في التراث البشري كافة كتاب في مثل قامتها وفي مثل قيمتها. وأذكر أنني كتبت مقالة تردّ على مستشرق فرنسي، معجب بابن خلدون ومقدمته، لكنه يتّهمه بأنه غير مؤمن بالإسلام، وبأنه أخفى عدم إيمانه خوفًا. وقلت في المقالة إن عقلانية ابن خلدون ليس فيها أي محاولة لإخفاء. ذلك أن المؤرخ العربي الأكبر كان يضع الإيمان في صعيده، ويضع العلم في صعيده، فلا يختلطان. كذلك اكتشفت أن كتاب نيكولا مكيافيلّي (الأمير)، متأثر حتمًا بالمقدمة، في أسلوب الكتابة، لكنه عالج أساليب العمل السياسي، ولم يعالج فلسفة التاريخ، مثلما فعل ابن خلدون. وهو إذن يقل عمقًا عن المقدمة كثيرًا.
كذلك أذكر أنني فُتنت بكتاب (جيمس جورج فريزر) (الغصن الذهبي) الذي أسس علم الأناسة (الأنتروبولوجيا)؛ إذ إن هذا الكتاب يعمِّق فهمك للعادات والتقاليد والمعتقدات الشعبية البشرية تعميقًا لا يساويه أي كتاب آخر في هذا المجال.
 ما أبرز خمسة كتب قرأتها في العقد الماضي؟
 قرأت كتاب أستاذي في جامعة جورجتاون، البروفسور عرفان شهيد (بيزنطة والعرب في القرن السادس)، وهو المجلد السابع من موسوعة تاريخية ينشرها تباعًا هذا العالم الجليل، وكان أولها: (رومة والعرب)، ثم تبعت ذلك مجلدات تعالج تاريخ (بيزنطة والعرب) في القرون الرابع والخامس والسادس. وستكتمل الموسوعة هذه بمجلدين آخرين، عن (بيزنطة والعرب في القرن السابع)، الميلادي طبعًا. هذه كتب تميط اللثام عن تاريخنا قبل الإسلام، وتشرح الكثير من علاقتنا مع العالم. فالوضع الجغرافي السياسي الذي تتصف به المنطقة العربية المشرقية، بصفتها أهم منطقة إستراتيجية في العالم، لم يتبدل، ولا بد من فهم هذا التاريخ لأجل فهم حاضرنا ومستقبلنا في العالم.
كذلك قرأت قبل سنة تقريبًا كتاب الباحثين الأمريكيين (جون ميرشايمر) و(ستيفن والت)، عن الرواق (اللوبي) الصهيوني وأثره في السياسة الخارجية الأميركية. وكتاب الأمريكي (ليني برينر): (الصهيونية في عصر المستبدين)، وهو يكشف أسرار التعاون بين الحركة الصهيونية والحكم النازي في الحرب العالمية الثانية. وهو كتاب خطير فعلاً.
قرأت أيضًا مذكرات اثنين من المفكرين الفلسطينيين الراحلين، المرحومين شفيق الحوت وأنيس صايغ. وهما كتابان يؤرخان لمرحلة مهمة في حياة القضية الفلسطينية.
 ما هو كتابك المفضل؟
 "لسان العرب" لابن منظور الإفريقي المصري؛ لأنه لا يشرح لك الكلمة، بل يروي قصتها. في العلوم الأوروبية شيء اسمه: "فيلولوجي" أي شرح تاريخ الكلمات؛ لأن الكلمات تتبدل في معناها مع الزمن، وتغتني بمعانٍ جديدة. "لسان العرب" يشرح لك أصل الكلمة وفصلها، ويروي لك أين وردت في القرآن الكريم، وفي الأحاديث النبوية الشريفة، وفي الشعر العربي، ويفصّل فروعها وتراكيبها المختلفة، فيمر على علوم التاريخ والجغرافيا، ويروي لك أبواب استخدامها في الحياة، وما أمكن للكلمة أن تحتمله من علوم ومعرفة. إن قراءته فائدة، لكنها متعة أيضًا. لكن البداية معه صعبة، ولا بد لمن يباشر تصفح "لسان العرب"، من أن يتوقع أيامًا يحتاج فيها إلى الصبر، حتى يبدأ بجني ثمار صبره، متعةً وعلمًا.
 كتبتَ ما يربو على (20) كتابًا، جلّها في تاريخ أديان المشرق العربي، وفي تاريخ الموسيقا العربية المعاصرة. كيف تصف رحلة التأليف هذه، وما الذي أضافته لك؟
 في الاصل، درست التاريخ، ولم يخطر ببالي أن أكتب في تاريخ الموسيقا. لكن بيئتنا المنزلية، وعودة أخي سليم من موسكو وتأسيسه الفرقة اللبنانية للموسيقا، أتاحت لي أن أشاهد بأم العين كيف يعيد قائد الأوركسترا أمامك تكوين العمل الموسيقي الذي حفظته صغيرًا عن ظهر قلب من باب الهواية. لقد أدخلني سليم في عالم معرفة الأشكال والأنواع في الموسيقا العربية، حين كان يقدم الموشح والدور والطقطوقة والقصيدة لجمهور المستمعين. لكنني بدأت أكتب في الموضوع صدفة. ففي سنة 1981، حين توفي الموسيقار رياض السنباطي، طلبت مني إحدى الصحف أن أستكتب أخي سليم مقالة عن الراحل الكبير، لكن سليم غضب؛ لأن الصحيفة لم تطلب منه الكتابة مباشرة. ولما استفظعتُ أن يموت السنباطي ولا نكتب عن وفاته مقالة، كتبتها بنفسي، فلقيت صدًى لم أتوقعه عند القرّاء في لبنان. وكان ذلك مؤشّرًا مشجّعًا حتى أوسّع مجال كتابتي في التاريخ، ليشمل الموسيقا العربية أيضًا. ومن هنا كانت رسالة الماجستير في التاريخ: السبعة الكبار في الموسيقا العربية المعاصرة، أول رسالة تاريخ في الجامعة اللبنانية، لا تعالج موضوعًا سياسيًّا أو عسكريًّا.
لكنني حين أطالع قائمة عناوين كتبي (عن القومية والمادية والدين، من يحمي المسيحيّين العرب، ضرورة التراث، وحدة المجتمع في الإسلام، العرب وتاريخ المسألة المسيحية، أزمة الإعلام الرسمي العربي، إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، السبعة الكبار في الموسيقا العربية المعاصرة، الأنواع والأشكال في الموسيقا العربية، أثر الغرب في الموسيقا العربية، موسوعة أم كلثوم، وديع الصافي، موشحات السيد درويش، مؤتمر الموسيقا العربية الأول – القاهرة 1932...) أجد أنها جميعًا تقريبًا، كُتبت تحت وطأة حافز داخلي دفاعي؛ أي أن حافزي الأول على الكتابة هو الدفاع عن تاريخنا وعن ثقافتنا، في عصر صعب نحتاج فيه إلى الثقة بالنفس، فيما تُشكِّكنا الأحداث والآخرون، بأنفسنا وبقدرتنا على الإنتاج بدل الاكتفاء بالاستهلاك. وأعتقد أنني لو كنت لاعب كرة قدم، لكنت مدافعًا جيدًا، أو فلنقل مدافعًا مجتهدًا ومخلصًا على الأقل. وهذا شرف أعتز به.
 هل لك حاليًّا مشاريع تأليفيّة؟
 طبعًا، أنا الآن مشغول بالطبعة الثانية لكتابيَّ: إيلاف قريش، وسوق عُكاظ. لكن على حاسوبي أربعة مشاريع كتابة قطعتُ فيها أشواطًا، أحدها مذكرات، جمعت فيه مسار الحياة الشخصية بالمسار التاريخي العام، وكتاب قد يكون عنوانه: مساجلات في عروبة لبنان، وآخر: مواقف المسيحيّين العرب من الإسلام في التاريخ، ورابع: عصر من الموسيقا، وهو عبارة عن دراسات ومقالات موسيقية لم أنشرها، بل ألقيتها في المؤتمرات على الخصوص.
 ما رأيك في الثورات العربية الأخيرة؟
 ظلّت على ما يرام، حتى بدأ التدخل الأجنبي، ولا سيما الأطلسي؛ فالعرب مرتابون أصلاً بهذا التدخل، وهم يعلمون أن كثيرًا من حكّامهم لم يكونوا ليبقوا في الحكم لولا الدعم الخارجي. وفي السياسة لا يصحّ القول: وداوني بالتي كانت هي الدّاء. ومن السذاجة بمكان أن أحدًا يتدخل من أجل مصلحتنا لا مصلحته هو. حسن الخاتمة في هذه الثورات مرهون بتوقف التدخل الخارجي وترك الشعوب تنضج في إدارة شؤونها في الأزمات، أو في الأزمان المستقرة.
 متى يغضب د. فكتور سحّاب؟ آخر مرة غضبت فيها؟
 أكثر ما يغضبني حين أحس أن شخصًا أعلى مني وظيفة ورتبة يتصرف معي مثلما يتصرف الحاكم العربي الذي تعوّدناه. فأنا صعب المزاج مع "الناس اللّي فوق"، وسهل للغاية مع "الناس اللّي تحت".
 متى يفرح ابن موسى؟ آخر مرة فرحت فيها؟
 أنا الآن جدّ حفيدة واحدة هي حبيبة العمر. وآخر مرة فرحت فيها، حين جاءني قبل أيام خبر أن أحفادي سيصبحون -بإذن الله- ثلاثة، قبل آخر هذه السنة 2011م. الحمد لله.
 ما السؤال الذي كنت تنتظره ولم أسألك إيّاه؟
 ماذا تنتظر من المملكة؟ وجوابي أن إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف هو مشروع العرب، في خضم الصراع الدولي المستبدّ بمنطقتهم. لقد كانت بيزنطة والساسانيون يتقاتلون على منطقتنا، للسيطرة على أهم ممرّ تجاري في العالم، وهو لا يزال أهم منطقة إستراتيجية في العالم اليوم. فجمعت قريش القبائل العربية على مشروعها التجاري، ومنحتها شراكة فيه، فأخذت القبائل تتقارب على الصُّعُد المختلفة: الاجتماعي والعقدي والاقتصادي واللغوي وحتى العسكري، فكان ذلك خير تمهيد لمجيء الإسلام الذي وحّدهم في أمة واحدة. وفي ذلك تبدو الجزيرة العربية صاحبة هذا الدور المنتظر في عصرنا الحاضر.
فالبضاعة الإسترتيجية تبدّلت، لكن الوضع الجغرافي السياسي لم يتبدّل، وبقيت الأطماع على حالها. وأنا أنتظر "إيلاف قريش" جديدًا.