قراءة في تداعيات الانفتاح المعرفي

كتب بواسطة: محمد عبدالباري | في أوراق ثقافية . بتاريخ : May 4 2012 | العدد :68 | عدد المشاهدات : 2468

قراءة في  تداعيات الانفتاح المعرفي

نسخة للطباعة
الراصد لإشكاليات الصحوة الإسلامية والمتابع لامتدادتها وانكساراتها سيلحظ بجلاء أنها تعاني من أزمة معرفية خانقة وأنيميا ثقافية حادة تسببت في حالة تكلس للعقل الصحوي إن صح ّ التعبير ، ويكفينا للتدليل على هذا الملحظ أن نشير إلى أن الصحوة الإسلامية حركة تهدف إلى تغيير واقعٍ هي لا تعرف الكثير عن تجاذباته السياسية وتقاطاعاته الاقتصادية و مذاهبه الفكرية !!
ولست بصدد قراءة جذور هذه الظاهرة ورصد أسبابها ، وإن كان ثمة أسباب ظاهرة لكل ذي عينين منها أن الصحوة الإسلامية – التي جاءت عقب إفلاس المذاهب المستوردة – هي في أصلها ظاهرة وجدانية قبل أن تكون ظاهرة فكرية فقد كانت الصحوة الإسلامية ملاذًا دافئًا لكل الهاربين من صقيع الأيدلوجيات المتهافتة ، ناهيك عن حالة التخوف الذاتي والتخويف الجمعي من مقاربة النتاج المعرفي الغزير والمتنوع لاسيما في مجال العلوم الإنسانية .
وقد أحدثت مرحلة (ما بعد الصحوة) تغييرًا إيجابيًا في هذا الاتجاه، فقد ارتفع سقف المقروء واتسعت دائرة الاهتمامات وبرزت مظاهر معرفية تثلج الصدر يلمسها الراصد للمشهد الثقافي في كل تفاصيله... في معارض الكتاب وفي المحاضرات والندوات والمهرجانات وفي الصالونات الأدبية والثقافية .
وجنبًا إلى جنب يلحظ المتابع أيضًا بقعًا سوداء تشوه جمالية هذه اللوحة الفاتنة وسلبياتٍ تهدد بتقويض هذا الحلم وتحويل الطليعة الواعية من أبناء أمتنا إلى مجرد تماثيل ثقافية ظواهرها تأخذ بالألباب وبواطنها تعصف فيها ريح الخواء. 
 أولى هذه السلبيات تكمن في موائد الترف الفكري الممتدة في فراغنا والتي أتخمتنا جوعًا وأروتنا ظمًا من خلال الجدل العقيم الذي تضج به منتدياتنا وملتقياتنا ومن خلال الغرق في برودة التنظير في الوقت الذي تشتعل فيه قضايا ساخنة تتطلب من كل مثقفٍ بذل كل ما بوسعه، وحينما تقرن مشاهد تخلفنا الحضاري وكبوتنا النهضوية و خيباتنا التي تتوالد ونكساتنا التي لا تنتهي بصورة من صور مصارعات النقاش الفارغ في مشهدنا الثقافي ستخرج برسمٍ كاريكاتيري تتسابق الصحف والمجلات لنشره !!
وهذه النقطة تجرني للحديث عن دور المثقف في التحول من خانة (القول ) إلى خانة ( الفعل)، ونظرة خاطفة إلى المفاهيم المغلوطة والحقوق المستلبة والأمية المخجلة والأمراض التي تعشش في قلوبنا وعقولنا ستجبرنا على الاعتراف بأنه قد حان الوقت لنزول المثقف من أبراجه العاجية ليستلهم مشروعه الثقافي من ملامح البسطاء وحاجاتهم وهمومهم، ولست بصدد عملية ترميم لـ(الواقعية الاشتراكية) أو تبشير بأدبيات (البروليتاريا) الحادة ولكنني أجد نفسي مضطرًا لاستعارة كلمة بارعة لكارل ماركس حيث يقول ( كل ما فعله الفلاسفة حتى الآن هو تفسير العالم المهم هو تغييره ) .
ولا بأس في أن أستدعي مثالين للمثقف صاحب الدور التنظيري والتطبيقي أولهما قديم يتمثل في سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – الذي كانت حياته انعكاسًا رائعًا لما يؤمن به من العلم والتعليم والجهاد والسعي في الشفاعات والقيام في أمر الضعفاء والمساكين ومناجزة ولاة السوء ومحاربة غيلان الخرافة .
والمثال الثاني لمثقف موسوعي معاصر هو الدكتور عبد الوهاب المسيري – رحمه الله - الذي لم تشغله بحوثه الموسوعية والتزاماته العلمية ومشاركاته الإعلامية من أن يكون المنسق العام لحركة (كفاية) المعارضة رغم تقدم سنه وتدهور حالته الصحية ، والأجمل في هذا السياق أن الدكتور حطم أسطورة (الحياد) التي يتغني بها مثقفونا صباح مساء فقد كان بإمكانه – رحمه الله – أن ينأى بنفسه عن حريق الصراع وأن يكسب ود الطرفين وأن يُبقي على أستاذيته التي يخضع لها الجميع على السواء ،ولكنه أراد أن يعلمنا أن الثقافة موقف ٌ قبل أن تكون معرفة .
 لقد آن للمثقفين الواعين أن يقودوا قاطرة التغيير وأن يعلقوا الجرس وأن يصدحوا بأذان النهضة وأن لا يلهثوا خلف مبارزاتٍ صبيانيةٍ بحثًا عن بطولاتٍ من ورق، وأخشى ما أخشاه أن يصبح مثقفونا في نهاية المطاف كـ(دون كيشوت ) فرسانًا بلا معركة!!
 ثانية هذه السلبيات هي مسرحيات الادعاء الكاذب والاستعراض المعرفي المتمثل في ظواهر مضحكة كالتشدق بالعناوين المتنوعة لمشاريع فكرية ضخمة مع الجهل المطبق بمضامين هذه الكتب والمشاريع، والتمسح بأعتاب كبار المفكرين والتباهي بالقراءة لهم، والتفاصح في المنتديات والصالونات بالحديث عن إشكاليات فكرية معقدة مبلغ علم المتحدثين عنها لا يتجاوز جملةً أو جملتين .
وفي زمان الضخ المعرفي الهائل تتسع ُ دائرةُ جهل الإنسان – وهذا ليس عيبًا – فقدرات الإنسان محدودة وبحور المعرفة بلا سواحل، ولكن ثمة فرق ٌ بين الجهل والجهل المركب فالجهل في أبشع صوره هو نقص ٌ والجهل المركبُ في ألطف صوره هو خطيئة ٌ و لا ريبَ أن البونَ شاسعٌ بين النقص والخطيئة . 
واليقظ ُ من استثمر جهله وأخذ نفسه بالجد والاجتهاد وحاول أن يسابق الزمن وأن يكسر قانون الجاذبية مرتادًا آفاق المعرفة الرحيبة ومتخذًا من جهله حافزًا للانكباب على ثمرات العلوم المختلفة وحافزًا له كذلك على أن لا يتعالم فيما لا يدرك وأن لا يهرف بما لا يعرف وأن يتذكر أن (العربات الفارغة أكثرُ جلبةً من العربات الممتلئة) ومن هنا يكون أنفع العلم على الإطلاق هو علم الإنسان بجهله .
أما ثالثة هذه المظاهر وأكثرها إثارةً لهرمونات الضحك فهي موجة ُ الشغب على المسلـّـمات والمزايدة على الثوابت إظهارًا لتفوق ( الأنا ) المتعالية وإشعارًا بالانعتاق من ثقافة القطيع وإعلانًا للفردانية الكاذبة .
وأنا أؤمن إيمانًا جازمًا أن دائرة المسلـّـمات في أزمنتنا المتأخرة قد اتسعت – لأسباب عدة - اتساعًا مؤذيًا وصبغت كثيرًا من المتغيرات بصبغة الثبات والقداسة حتى شلت حركة التقدم وأحدثت فجوةً هائلةً بين المنهج والواقع ، ولكن هذا لا يعني أبدًا أن نسمح لطوفان ( الديكارتية ) أن يجتاح يقينياتنا الكبرى وأن يجتثنا من أصولنا ليزرعنا في المنطقة الرمادية .
ولستُ – في هذا المقام - أطلبُ من الشباب المثقف أن يكون دغمائيًا عرفانيًا في تعاطيه مع القضايا الوجودية الكبرى ولا أعترضُ أبدًا على ثقافة الاستقلال والتبصر ، بل أجدني مضطرًا لرفع قبعتي احترامًا لكل باحثٍ عن الحقيقة ِ مخلصٍ في تطلبها عارفٍ بوسائل البحث ِ ملتزمٍ بقوانين العلم ونظمه ومعطياته.
ولكننني أتحدثُ – في هذا السياق – عن نابتةٍ جديدةٍ تتوسلُ بالضجيج وتجهد نفسها في مغازلة الأضواء الكاشفة عن طريق التمرد لذات التمرد والمخالفة حبًا في المخالفة والاستفزاز المقصود لعينه إشباعًا لشهوة التسول ِ...تسول الاهتمام والذكر والحضور حتى وإن كان الذكرُ مقرونًا بالبول ِ في ماء زمزم !!
أكتفي بهذه الإلماحات العاجلة مؤكدًا على أهمية المراجعة الذاتية والنقد الفاحص المستمر حتى تؤتي هذه النهضة المعرفية التي نشهدها اليوم ثمارها الناضجة وحتى تنطلق مسيرة البناء في دربها اللاحب ..تظللها أحلام الغد الزاهي . 
خاتمة البروق :
المعرفة تأتي...ولكن الحكمة َ تتأخر ( تنيسون ).