وراثة الاهتمامات

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : May 4 2012 | العدد :68 | عدد المشاهدات : 2441

وراثة الاهتمامات

نسخة للطباعة
لو كان كل جيل يرث عن الجيل السابق فضائله واهتماماته كما يرث طول القامة ولون البشرة لهان الخطب؛ إذ يكون على البشرية  آن ذاك أن تبذل جهوداً استثنائية في إصلاح حال جيل من الأجيال، ثم ترتاح مطمئنة كي تستمتع بثمار إصلاحها قروناً متطاولة، لكن الأمر مع الأسف ليس كذلك؛ إذ إن على كل جيل في كل مكان من الأرض أن يبدأ من الصفر، ويتعلم الكثير من الأشياء كما فعلت الأجيال السابقة. 
إن الذي أثار هذه الفكرة في ذهني ما يطرق سمعي كل يوم من تلاوم في مسألة إعراض الأجيال الجديدة عن القراءة واصطحاب الكتاب، وصار من المألوف أن يردّد المتلاومون العبارة المشهورة : (أمة اقرأ لم تعد تقرأ)؛ فيظن كثير من الناس أن كون (اقرأ ) هي أول كلمة في أول آية في أول سورة نزلت على نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينبغي أن يكون كافياً لإقبال المسلمين على القراءة، وكأننا بهذا نتجاهل الحقيقة الراسخة والناطقة بعجز المبادئ عن العمل في تغيير النفوس والسلوك ما لم يتم توفير الظروف والمناخات الملائمة.
إن المبادئ لا تعمل في فراغ، بل تحتاج إلى الكثير من الشروط، وهذا هو التحدي الذي واجهته البشرية على مدار التاريخ في تمثل الفضائل والكف عن الرذائل. 
يظن كثير من الناس أن انتشار المدارس والجامعات سيكون كافياً لإقبال الأجيال الجديدة على القراءة، ويظن كثير من الناس أيضاً أن مجرد وجود مكتبة في كل منزل سينتج عنه بالضرورة جيل يحتفي بالقراءة، ويحتفل بالكتاب، وهذا كله غير صحيح؛ فقد ثبت أن التعليم الرديء في أسلوبه والمتدني في مستواه يولِّد في نفوس الطلاب نوعاً من الجفاء للقراءة والكتابة، كما ثبت أن الذي يثير شهية الطفل للقراءة ليس وجود جدران مزدحمة بأرفف الكتب، وإنما ما يشاهده لدى أسرته من فعل القراءة والمطالعة الفعلية في الكتب، ومن هنا يمكن أن يزول استغرابنا من عدم اهتمام صغارنا بالاطلاع على الكتب.
إن الأطفال لا يقرؤون لأن الكبار لا يقرؤون، وفي الدول التي يُقبل صغارها على المطالعة تجد أن ذلك هو شأن الكبار أيضاً، ومن المؤسف أننا اليوم نتداول الكثير من الأرقام الدالة على إعراض العربي عن القراءة، تلك الأرقام التي تبث اليأس والإحباط على مقدار ما فيها من مبالغة، وإلاّ فمن الذي يمكنه أن يصدق أن دار نشر فرنسية واحدة تستهلك من الورق في طباعة الكتب ما يساوي استهلاك العالم العربي برمته؟! ومن الذي يمكنه أن يصدق أن كل ثلاث مئة ألف عربي يقرؤون كتاباً واحداً في السنة؟!
إن هذا جلْد مبالغ فيه للذات، ونشر قوي للشعور بالدونية، لكن إذا تجاوزنا هذه الحيثية فإننا لا نرتاب في أن وضع القراءة لدينا هو دون المستوى العالمي، وهو لا يبعث على الارتياح أو التفاؤل، والدليل على هذا ليس الأرقام المخيبة للآمال، وإنما ضآلة الجهود التي تبذلها الأسر في ترسيخ عادة القراءة في نفوس أبنائها. 
أنا أتمنى أن يطَّلع كل رب أسرة لدينا على الجهود التي تبذلها الأم في أوربا وأمريكا... من أجل جعل الطفل يفتح الكتاب يومياً، وجعله يلحّ على أبويه كي يذهبا به إلى المكتبة.. إنها جهود كبيرة للغاية، وإن علينا أن نستفيد منها قدر الطاقة. 
     حتى يرث أبناؤنا عنا حب القراءة، فإن علينا أن نمارس القراءة أمامهم بكثافة، ثم إن علينا أن نبحث عن المداخل والآليات والأساليب التي تساعدنا على نقل اهتماماتنا إليهم، وإلاّ فإن الوضع سوف يستمر في التدهور مع تطور المنتجات التقنية المغرية بالمزيد من اللهو واللعب!