الثَّورة على بؤس الطين

كتب بواسطة: عبدالله الهدلق | في أوراق ثقافية . بتاريخ : May 4 2012 | العدد :68 | عدد المشاهدات : 3411

الثَّورة على بؤس الطين

نسخة للطباعة
"لم يكن الفقر قطُّ نكبةً بالنسبة لي، فقد كان يوازيه دائمًا غنى النور.. 
حتى ثوراتي كانت آنذاك تضاء بهذا النور. 
لستُ أجزم أن قلبي كان من طبعه أن يميل إلى هذا الضَّرْب من الحبّ، غير أن الظروف ساعدتني فوضعتني في منتصف الطريق بين الفقر والشمس. 
أما الفقر: فمنع عني الحكم بأن كلَّ ما في العالم هو على ما يرام، وأما الشمس: فعلّمتني أن التاريخ ليس هو كلَّ شيء". كامو 
أَتَعرف.. قبل ثنتين وعشرين سنة انتبهتُ فإذا الدنيا قد طمرتْ روحي بطين القبح والخيبة، قد غمرتها بالماء الآسن.. فأمضيت عدة أشهر تجمّعتُ خلالها في زاوية مظلمة من زوايا روحي، وذهبتُ أنزف الصمت والحياة ببطء، أغلقتُ عينيّ، وظننتُ أنها نهاية حياة ابتدأت قريبًا لتوّها. 
لكنّ المحن -كما قيل- معلِّم كبير، وإن كان هذا المعلم يتقاضى غاليًا ثمن دروسه، لا أدري كيف دبّتْ حياةٌ في جِذع ذاك الروح اليابس، نورٌ أومض لي في غَيهب الملكوت.. فتوكأت على نفسي ومشيتُ أرقبه لا ألوي على شيء، خضتُ الغمرات أقصد نحو فكرة مبهمة، فكرة تقارب في وعي حَذِر ما تشبه فلسفتُه أن تكون: القراءة بديلاً عن الحياة..
الثّورة على بؤس الطين؛ ذلك ما أدعوه توثُّبَ الروح للشخصية النامية في مفاصل حياتها الكبرى.. يوم تعرّتْ روحي، بصقتُ الماء الآسن في وجه الدنيا، وطَفِقتُ أخصِفُ عليّ من ورق المعرفة..
ذهبتُ أرود المكتبات لا أعرف أكثر هذا الذي على رفوفها، وكنت أتألم لألم الجهل، ما زلت أذكر حيرتي يومًا وقفت فيه عند عنوان غريب على الرفّ: ما هذا؟ ما معناه؟ وبكيت..
لم يكن ثمة أحدٌ يعلّمني.. 
لكني مَدين لتلك الأيام بأشياء رائعة، منها ثلاثةٌ ربما لم تتحقق لكثيرين غيري: 
أولها: أني كنتُ أحسّ طعم الروح المُرّ يتصاعد رويدًا رويدًا مع أنفاسي القديمة، وكنت أرتعش لخَفق الروح الجديد بين الموت والحياة، أهذا إذن ما قصدتَه يا هنري تروايا "كنت أموت لأولد من جديد على نحو أفضل"!
وثانيها: أنه ليس لأحد سلطان على عقلي كائنًا من كان.. إذ إنه كثيرًا ما أنتجت العصامية الفكرية مثقفًا غير مُنتمٍ؛ لكنه متبجِّح.. "رفضت خيار الالتحاق بصفوف المؤسسة وكيلاً مأجورًا لإحدى صناعات المعلومات".. قال غرامشي: "يَنتج عن الهيمنة الثقافية للبورجوازية: أن أفكار الطبقة المهيمنة تصبح بقوة الأشياء أفكارَ المجتمع كله، فلا يعود أحدٌ قادرًا على معارضتها.. وحدهم المتعلمون جدًّا، وأصحاب الكفاءات الفكرية العالية، هم الذين يملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين؛ وظيفة تغيير الشعوب..". 
والثالث: أني لم أسلك الجَوَادّ الثقافية التي يسلكها غيري، لأني لم أكن أعرفها أصلاً "أكاد لا أعرف أبدًا إلا المظهر الأكثر سوءًا من الحياة، ولكني أنجح دومًا في العثور على طريقي". 
ما أكثر ما أقول لمن أساجلهم في شأن القراءة وأمر المعرفة: احذروا الجوادَّ الثقافية، مزِّقوا الصورة اليابسة للمثقف النمطيّ، لا تحرموا أنفسكم "من بهجة الإصابة بالدهشة". 
وأعني بذلك: أن هناك أسماءً وموضوعات وكتبًا يكثر الحديث عنها في كل بيئة ثقافية، فينصرف بها القارئ -بسبب النشأة الثقافية- عن كثير من الأسماء والموضوعات والكتب الحافلة، تلك التي يتراجع الحديث عنها على الأفواه والأقلام، لأسباب بعضها واضح، وبعضها الآخر محيّر. 
كم وقفتُ بسلوك الطريق المهجورة، بتنكّب الجَوادّ هذه؛ على ما لم أكن لأوفّق له لولا النشأة الثقافية المرهقة، وهذه الأنفة المعرفية الجامحة. 
أيها الطين اللاّزب، أيها الحمأ المسنون: تلك النار المقدَّسة في دروب سيناء الموحشة؛ هي التي جعلتُها وقودًا لثوراتي..