استملاك التاريخ

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : May 11 2012 | العدد :67 | عدد المشاهدات : 2373

استملاك التاريخ

نسخة للطباعة
مهما بلغ انشغال الناس بالواقع، ومهما سيطر عليهم التشوّف إلى المستقبل، فإنهم لن يستطيعوا غضّ الطرف عن الماضي، وكيف يستطيعون ذلك وجذور الواقع ضاربة فيه...؟
 إن من الملاحظ أن لدى كل مثقفي التيارات والاتجاهات الفكرية والاجتماعية نزوعاً قوياً إلى تملّك التاريخ من خلال تفسيره واستخدامه في الاستدلال على صواب ما يذهبون إليه
   إن الأحداث التاريخية تشير بوضوح إلى تجلّيات إمكانات البشر وطموحاتهم وكذلك رعوناتهم في سلوكياتهم وعلاقاتهم، كما أن التاريخ يختزن لنا تطبيقات التعاليم الربانية السامية، وكيفية فهم الناس لها، وكيفية تفاعلهم معها، ولهذا فإن المعطيات التاريخية مهمة جداً لاستيعاب كثير من الأمور.
ومن المؤسف أن قراءة الأحداث التاريخية لا تشفي الغليل بسبب كثرة الروايات في الحادثة الواحدة وبسبب تباين تعليلاتها، ولهذا فإن التاريخ يتيح للجميع أن يقرؤوه قراءة انتقائية على مقتضى رؤاهم وأهوائهم ومصالحهم، وقد شاهدنا كيف أمكن لمن يمجِّدون التاريخ الإسلامي أن يستخرجوا منه أزهى صور العدالة والبطولة والازدهار، كما أننا شاهدنا أولئك الذين يحاولون من خلال النبش في ذلك التاريخ أن يُثبتوا لنا أن تاريخنا هو الأسوأ بين تواريخ الأمم! وهذا كله بسبب عدم استخدام محدّدات صُلبة تساعد على تقليل مساحات التناقض بين أولئك الذين يحاولون استملاك التاريخ واستعماله على نحو يدعم توجهاتهم ورؤاهم........؛  وما زلت أؤمن  بقوة أن التعويل على فهم طبائع الأشياء وفهم التأثيرات التي تتبادلها النظُم والمعطيات العامة، بالإضافة إلى فهم السنن الربانية في الخلق.
 إن فهم كل هذا على نحو جيد سوف يتيح لنا معرفة الكثير من أحوال أمتنا في غابرالأزمان، ولو كانت المعلومات شحيحة أو متناقضة
   وقد أسَّس العبقري الفذُّ  ابن خلدون هذه المنهجية العظيمة، لكن لم يأت بعده من يُكمل مسيرته وينسج على منواله، بل إن ابن خلدون نفسه لم يستفد مما كتبه حول هذا المنهج في المقدمة حين ألّف تاريخه الشهير!
    إن فهم عدد كبير من السنن وإدراك طبائع عدد كبير من الأشياء يتيح لنا فهماً حسناً للخطوط العريضة في تاريخ الأمة ـ وواقعها أيضاًـ ولعلي أشير هنا إلى أمثلة موجزة لما أعنيه، وذلك في العبارات التالية:
1- الفساد والاستبداد متلازمان.
2- حين تسوء الظروف يجد الناس المسوَّغات للخروج على مبادئهم.
3- وعي الناس بأهمية ونوعية ما عليهم أن يفعلوه دائماً ناقص.
4- غموض النظم والقوانين يشجِّع الناس على الفساد.
5- الحوادث التاريخية الكبرى تقبل دائماً القراءات المتعددة. 
6- إذا كان الفرد لا يشبع من المال، فإن الدولة لا تشبع من السلطة والنفوذ. 
7- للأرقام سحرها وبلاغتها الخاصة، وهذا يجعل الطلب يشتد عليها، والشيء حين يشتد عليه الطلب، ويكثر تداوله يتعرض للتحريف والتشويه.
8- الموضوعية في قراءة الأحداث دائماً نسبية.
إن فهمنا للتاريخ على نحو جيد من الأمور المهمة جداً؛ لأنه شرط جوهري لإصلاح الحاضر، فنحن لا نفهم شيئاً إلاّ إذا فهمنا تاريخه.