تحوّل القوة

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : May 13 2012 | العدد :66 | عدد المشاهدات : 2446

تحوّل القوة

نسخة للطباعة
فُطر الإنسان على الميل إلى الدعة والسكون، وحب الأشياء الساكنة، ومن هنا فإن لديه رغبة دفينة في أن يظل كل شيء على ما هو عليه، فالجديد طالما كان مظنة للتحديات والمفاجآت غير السارة، ثم إن الجديد يحتاج دائماً إلى أن نتكيّف معه، والتكيّف يعني بذل جهد إضافي والتنازل عن بعض المكاسب، وهذا كله ليس مرغوباً عند معظم الناس، لكن التجديدات التقنية والتغيرات الفيزيائية والكيميائية، تؤدي إلى تغييرات واسعة المدى في الأفكار والعلاقات ومواضيع التمركز الدولي والحضاري، وينتج من كل ذلك تحوّل في ركائز القوة والتقدم والمعاصرة، وهذا الموضوع ذو ذيول طويلة، ولهذا فسأقدم فيه إشارات سريعة جداً:  
1- كان رأسمال الدول عبارة عن أشياء ملموسة ومرئية مثل مساحات الأرض الواسعة، والمياه العذبة، والغابات والثروات المعدنية... ومع أنه سيظل لهذه العناصر قيمة مهمة إلاّ أن القوة الجديدة والعاتية تكمن اليوم فيما تملكه الدولة من أفكار ومفاهيم واتجاهات وأخلاق ونظم ومؤسسات معرفية وتقنية متقدمة, وإن الدول الفقيرة في هذه الأمور سوف تشكو في المستقبل القريب من الفاقة، مهما كانت غنية برأس المال القديم. 
2- كان الناس في الماضي ينظرون إلى الحكومات على أنها المالكة لكل شيء والمسؤولة أيضاً عن كل شيء، وقد كانت هذه النظرة صحيحة في ظل هشاشة المجتمعات وتواضع الثروات والمقدرات المملوكة للقطاع الخاص, وهذه الوضعية آخذة بالتحول؛ فقد أخذ العالم يعوّل أكثر فأكثر في مسألة الإصلاح والتغيير على مؤسسات المجتمع المدني التي تملك إمكانات هائلة، وتعمل على كل صعيد, أما على الصعيد الاقتصادي فإن في العالم اليوم شركات عملاقة تملك الواحدة منها من المال ما يزيد على ميزانيات عشرين دولة من الدول الفقيرة، ونحن ما زلنا في بداية الطريق، حتى إنه يمكن القول: إنه في المستقبل لن يكون هناك دول عظمى، بل شركات ذات صبغة إمبراطورية. 
3- لو عدنا إلى الوضعية الإنسانية في السابق بما تشتمل عليه من مشاعر وأخلاق وعلاقات فإننا سنجد أن أدبياتنا على صعيد التربية الذاتية وتربية الأبناء كانت تؤكد على كبح جماح النفس وحرمانها من مرغوباتها، وعلى ضبط الولد وتطويعه للعادات والتقاليد السائدة, وقد تحوّل هذا اليوم إلى العمل على تقوية الإرادة والوازع الداخلي وتوفير البيئة التي تحفز على الاستقامة والإنجاز. ونجد على صعيد العلاقات العامة أن الذي كان سائداً هو الخوف والحذر والانغلاق والشك, أما اليوم فإن كثيراً من الأدبيات العالمية يركز على الثقة بالآخرين، وعلى الانفتاح عليهم، والاستفادة من خبراتهم. هذ التحول في أساليب صناعة القوة، وأساليب توظيفها يتطلب منّا جميعاً أن نغير في تصوراتنا وفي خطط عملنا المستقبلية, وإلاّ وجدنا أننا نتحرك كثيراً, وننتج قليلاً، ووجدنا أننا على كثرة ما بأيدينا من إمكانات نعيش على هامش الحياة, هذا ما علينا أن نتأمل فيه على نحو جيد، ونوسع مدلولاته ومراميه.