تحدّيات الكبار

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : May 18 2012 | العدد :65 | عدد المشاهدات : 2600

تحدّيات الكبار

نسخة للطباعة
 على مدار التاريخ كان الإنسان يعاني من معرفة الأسباب الحقيقية للظروف والمشكلات التي يعاني منها، وتلك المعاناة تنبع أساساً من تعقيد الظواهر الحضارية، وتعقد الأسباب التي تساهم في تشكيلها، وقد صار من الواضح أن رؤيتنا للعوامل والأسباب الخارجية أسهل من رؤيتنا للعوامل والأسباب الداخلية، وهذا يعود إلى أن رؤية ما هو داخلي تحتاج إلى ممارسة النقد الذاتي على نطاق واسع، وهذا شاقّ على كثير من الناس، لما فيه من توبيخ للذات، ولما يتطلبه من تغيير على صعيد المواقف والعادات والعلاقات، ولعلي أشير في تحليل هذه الظاهرة إلى المفاهيم الآتية: 
1ـ الهاجس الذي يسيطر على الأشخاص الضعفاء والمجموعات والدول الصغيرة هو العدوان الذي يمكن أن يتعرضوا له من القوى العاتية، أما الكبار والعمالقة، فإن لديهم من الثقة بالنفس والاعتداد بالذات ما يجعلهم واثقين من الصمود في وجه كل أشكال العدوان، بل إنهم واثقون من كسب الجولة بعد الجولة، وهذا يمنحهم قدراً جيداً من الطمأنينة والركون إلى ما في حوزتهم من مقدرات وإمكانات، وهم محقّون غالباً في ذلك، لكنهم يواجهون حينئذ تحدّيات من نوع مختلف، وتلك التحدّيات كثيراً ما تكمن في أمرين جوهريين: 
الأول: هو الغرور والثقة المفرطة بالنفس. الغرور يجعل الإنسان عاجزاً عن رؤية أوجه الخلل والقصور في شؤونه وأوضاعه المختلفة. إن المغرور لا يرى سوى نقاط تفوّقه وسوى انتصاراته وفضائله، وإن رؤيته لهذه الأشياء تجعل إدراكه يلتقط بقوة السلبيات والأزمات لدى الخصوم والمناوئين على نحو مبالغ فيه، وهذا كله يدفع به في اتجاه اتخاذ الكثير من القرارات الخاطئة.
 الثاني: هو الارتباك في إدارة القوة والإمكانات الضخمة التي يمتلكها الكبار، وهذا الارتباك يكون تارة على صعيد الرؤية وتارة على الصعيد النفسي والأخلاقي، وقد رأينا الكثير من الأقوياء الذين يتخبطون في إدارة الإمكانات التي بين أيديهم، وذلك بسبب نقص العلم والافتقار إلى المشروعات الممتازة التي يمكنهم أن يستثمروا فيها ما لديهم من فائض المكنة والقوة. 
أما على الصعيد النفسي والخلقي فإن ارتباك الكبار كثيراً ما يتمثل في الانحلال الخلقي والبغي والطغيان، وقد أخبرنا ربنا عن هذه الحالة بقوله: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) وبقوله: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) وقد قام بعض علماء الحضارة ببلورة  مصطلح (خيانة الرخاء)، ويعنون به الأزمات الكبرى التي يسببها الشعور بالوفرة والركون إلى مدلولاتها. 
2ـ حين سقطت بغداد أمام جحافل المغول، فإن سقوطها لم يكن بسبب قوة الغزاة، ولكن لأن بغداد كانت بمثابة لوح من الخشب المنخور بعد أن كانت عاصمة العواصم، وحين انهار المعسكر الشيوعي، وحين تفكك الاتحاد السوفياتي، فإن ذلك لم يحدث بسبب ضغط الرأسمالية، وإنما بسبب قصور النظام هناك، وسوء تطبيق ما هو صالح منه. 
     ومن الواضح أنه مضى على الولايات المتحدة عقدان من الزمان وهي متفردة بقيادة العالم، ولم تستطع أي دولة منازعتها في ذلك حتى الآن، لكن الأزمة المالية الخانقة التي عصفت بها كانت هي التحدي الأكبر الذي زلزل الكثير من ثوابتها، وهي بالطبع تحدٍ داخلي صرف.
 3ـ من المهم أن ندرك أن الأعداء مهما كانت درجة حقدهم، ومهما بلغت سطوتهم، فإنهم لن يستطيعوا أن يفعلوا بنا أسوأ مما يمكن أن نفعله بأنفسنا، وذلك بسبب قصور أدواتهم. إن العدو ليس هو الذي يدفع بعض الناس إلى عدم الاستيقاظ  إلى صلاة الفجر، وإلى التكلم بكلام بذيء أمام أطفالهم، وليس العدو هو الذي يضغط على مدير كبير كي يطلب الرشوة، وليس هو الذي يشير على مدرس بعدم تحضير دروسه على نحو جيد.... 
إن تحدّيات الكبار فعلاً داخلية، وإن الشيء الذي يجب أن نخشاه ونراجع أنفسنا فيه هو ما يتراكم في حياتنا من خطايا وأخطاء، وإذا قمنا بالمراجعة المطلوبة، فإنه ليس هناك ما يمكن أن يشدّنا إلى الوراء.