البؤس في قلب الرخاء

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : May 25 2012 | العدد :63 | عدد المشاهدات : 2468

البؤس في قلب الرخاء

نسخة للطباعة
مهما بلغ الإنسان من سموّ التفكير المستقل، ومهما تعاظمت لديه ملكة التفكير النقدي، فإنه سيظل على مستوى من المستويات مرتبطاً بالبيئة التي يعيش فيها، وهذا الارتباط على المستوى العقلي والروحي وعلى المستوى المادي والاقتصادي، لكن بما أن الإنسان بنية معقدة للغاية، فإن في سلوكه وفي تعامله مع الأشياء ما يثير دائماً الحيرة والتساؤل. 
البؤس بؤسان: بؤس أسود، مرادف في دلالته للفقر الشديد وصعوبة ظروف العيش، وبؤس أبيض مستتر، وأحياناً جذّاب وبرّاق، وهو بؤس أولئك المترفين الذين يعانون من فراغ روحيّ وعقليّ كبير!
تتجول في بعض مناطق آسية وإفريقية، فترى نعم الخالق تتدفق أشكالاً وألواناً: مساحات شاسعة من الأرض تزيّنها الخضرة وما لا يُحصى من أشجار الفاكهة، وسماء تضحك بالمطر في الصباح والمساء... لكن الإنسان نفسه غارق في تلك النعم ومرتبك في التعامل معها.. إنه لم يتعلم ويتدرب بما يكفي، ولم يجد بنية تحتية تساعده في رفع سقف طموحاته، وهو مع هذا مكبل بكثير من المفاهيم الخاطئة والأوهام المضللة التي تشدّه إلى الوراء في كل حين، والنتيجة لكل ذلك أشكال من المآسي: حروب أهلية وأمراض فتّاكة، وإنهاك للقوى في البحث عن وسائل، تساعده على البقاء على قيد الحياة، ولكن هيهات هيهات؛ فشروط عصرنا قاسية للغاية، والصراع بين الإنسان وبين العوامل التي تدفع به في سبل الانحطاط والاندثار على أشده، وكثيراً ما يجد الضعفاء أنفسهم في حرب غير متكافئة، ويكون الاستسلام هو الخيار الوحيد!! 
في المقابل هناك فئات من الناس أفاض الله عليهم من النعماء والتمكين، ومنحَهَم كل أسباب الرفاهية، فركنوا إليها، وظنوا أن المرء حين يملك كل أسباب السعادة مع قليل من الجهد والعمل يكون محظوظاً، فأخذوا يتفنّنون في الإنفاق والاستهلاك وتناول ألوان المتع، ونسوا المنعم الكريم الذي غمرهم بما هم فيه من خير، وغفلوا عن الحقيقة الكبرى لتي لمسها أولو الألباب من قديم الزمان، والتي تقول: إن الغنى الحقيقي هو غنى العقل والروح والنفس..  بالأفكار والمعاني والقيم والطموحات والتطلعات، وحين يكون الإنسان مصاباً بالفقر فيها، فسوف يضيق كل شيء عليه، وسيرى أنه أقرب إلى أن يصبح شيئاً مثل كل الأشياء التي يستمتع بها... إن التعب والكفاح من أجل شيء عظيم هو الذي يجعل لحياة الإنسان معنى، وإنّ فقْد المعنى هو الذي يمهد السبيل للشعور بالدونية والتفاهة، ويجعل القصور الفخمة أشبه بسجون من فئة الخمس نجوم!
     إن القرآن الكريم يشير بوضوح إلى أن التنمية الحقيقية هي التي تهتم بتنمية الإنسان: روحه وعقله وخلقه وقيمه وأهدافه وعلاقاته... وإن كل أشكال التنمية يجب أن تصب في نهاية المطاف في كل هذه المساقات، وإلاّ فإن الناس سوف يتجهون نحو البؤس الأسود تارة، ونحو البؤس الأبيض تارة أخرى. 
أركان التنمية الحقيقية تتلخص في ثلاثة أمور أساسية: 
1ـ نهوض بالجوانب المختلفة لشخصية الإنسان 
2ـ العمل على توفير بيئة وبنية تحتية تتحدى الإنسان بإثارتها لروح الجدية والعمل لديه، ولا تعجزه بسبب صعوبتها؛ فتدفعه إلى مصيدة اليأس والقنوط. 
3ـ تعليم الإنسان وتدريبه كي يستفيد مما هو متوفر في بيئته من معطيات، وكي يدير الموارد المتاحة بكفاءة عالية.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.