تجديد الصّحْوة

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : Feb 1 2011 | العدد :76 | عدد المشاهدات : 2548

تجديد الصّحْوة

نسخة للطباعة
إن من سنن الله ـ تعالى ـ في الخلق أن تفقد الأفكار والمفاهيم مع مرور الأيام  شيئاً من فاعليّتها وتأثيرها وملاءمتها...، وهذا يعود على نحو أساسي إلى تغيّر الظروف والبيئات، كما أننا مع الأيام نكتشف العديد من جوانب القصور في كثير من الطروحات التي كنّا نعتز بها في يوم من الأيام، ولا يمكن للصحوة الإسلامية الحديثة أن تكون استثناء من هذه السُّنن. 
بعض المفكرين يرون أن الصحوة عبارة عن مرحلة، يُفترض أن تليها مرحلتان أخريان: مرحلة اليقظة ثم مرحلة النهضة، وأنا لا أجد نفسي متحمساً لهذا؛ إذ إن في المسلمين إلى اليوم من لم يدخل مرحلة الصحوة، كما أن الصحوة نفسها تشكِّل بدايات جميلة ورشيدة لليقظة والنهضة، ومن هنا فإني أرى أنه قد يكون من المناسب أن نتحدث عن تجديد الصحوة من خلال نقدها ومراجعة مقولاتها، ومن خلال العمل على طرح رؤية إصلاحية جديدة لها، وأنا أعتقد أن ما يمكن أن يُقال في هذا الشأن كثير للغاية، لكنني سأشير إلى بعض الأمور التي أعتقد أنها مهمة، وذلك عبر الحروف الصغيرة التالية: 
1- يُلاحظ أن درجة الاحتساب وطلب المثوبة من الله ـ تعالى ـ قد تراجعت لدى كثير من شباب الصحوة؛ فقد صار الإحساس بالمكاسب الشخصية طاغياً على الإحساس بأهمية هداية الخلق وإصلاح أوضاعهم، وهذا يعود إلى الموجة المادية العاتية التي تجتاح بلاد المسلمين، كما يعود إلى أن الصحوة ربما تكون قد انتقلت من مرحلة (الروح) حيث العطاء المتدفق بعيداً عن كل الحسابات إلى مرحلة (العقل) حيث يوزن كل شيء بميزان ليوضَع في مكانٍ ما من سُلّم الأولويّات. 
الصحويون في حاجة إلى إنشاء أكبر عدد ممكن من الأطر والبرامج التي تساعد الشباب المسلم على الانطلاق في الدعوة وعلى الانخراط في التطوّع وتقديم الخدمة لعموم الناس. 
2- ضعف الجانب الروحي، وأعني به تحديداً ما يعدُّ ثمرة لكل العبادات، ألا وهو الصلة بالله ـ تعالى ـ حيث يكون الشوق والحب والحياء والرجاء والخوف والثقة والتوكّل... إن هذه المعاني تراجعت لدى معظم الناس اليوم، ومنهم كثيرٌ من الصّحويين، ونحن نكتشف هذا من خلال الطابع العام لأحاديثنا في المجالس والفصول الدراسية والأسواق.... وهذا يعني أن على الصحوة أن تؤكد من جديد على التربية الإيمانية، وعلى معاني التعبّد والتمسّك بالسنن والآداب الإسلامية، وتجعل استعادة المعاني المشار إليها أحد أهم ما ترنو إلى النجاح فيه. 
3- في بدايات الصحوة قبل نحوٍ من نصف قرن غلب على حسّ فريق من الصّحويين الاعتقاد بأن الوصول إلى السلطة سيحل كل مشكلات الأمة، وصارت مقولة عثمان ـ رضي الله عنه ـ: (إن الله يزع  بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) من أكثر المقولات تداولاً؛ فالتغيير في نظر هذا الفريق عن طريق الحكم أسرع وأقل تكلفة.
وغلب على حسِّ فريق آخر من الصحويين أن التغيير يأتي من خلال هداية الناس وجعلهم أشد التزاماً، وقد كان الاعتقاد السائد لدى هذا الفريق أن إصلاح الفرد سيؤدي بطريقة آلية إلى صلاح الأسرة، كما أن صلاح الأسرة سيؤدي إلى صلاح المجتمع، وبصلاح المجتمع تصلح الحكومة؛ لأنها منبثقة عنه، وقد تبين اليوم أن كلا الاعتقادين لم يكن صحيحاً؛ فالوصول إلى السلطة لا يحلّ كل المشكلات، وإنما يحمِّل الواصلين إليها المسؤولية عن تلك المشكلات، كما أن استخدام السلطة لنشر الأفكار كثيراً ما يُقابَل بالرفض التام من قبل الجماهير، وتجربة الحكم السوفياتي مع شعوبه تنطق بهذا، كما تبيّن أن صلاح المجتمع لا يعني بالضرورة صلاح الحكومات؛ إذ إن التلازم بينهما نسبي أو ضعيف. 
لعل الصواب هو استخدام الدعوة والإرشاد لتغيير الأفكار والعقائد والسلوكيات، أما السياسة والسلطة فهما من أجل إشاعة العدل وصون الحقوق وقضاء حاجات الناس وتأمين فرص عمل لأبنائهم، وإن أي حكومة تفشل في هذه الأمور، فإنها لن تستطيع نشر مبادئها، وأفكارها بين أفراد شعبها.