بين الجوف وجرش آثار الجوف غائبة عن الحياة والاستثمار

كتب بواسطة: سلطان الحمزي | في الملف . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :84 | عدد المشاهدات : 7112

بين الجوف وجرش آثار الجوف غائبة عن الحياة والاستثمار

نسخة للطباعة
ساعة ونصف تقريبًا هي المسافة التي تقطعها بالسيارة من منطقة الجوف عبر "معبر الحديثة" إلى مدينة جرش الأثرية بالأردن، وعلى الرغم من قصر المسافة بينهما، إلاّ أن هناك فارقًا بينها وبين آثار الجوف هائلاً جدًا، كما أن العائدات الاقتصادية لكلا الموقعين لا تُقارن.
والذاهب إلى جرش يسلك طريقًا معبّدًا وسليمًا من أي "مطبات حفرية" أو "تحويلات" واللوحات الإرشادية إلى المدينة الأثرية ترشدك على جنبات الطريق إلى أن تصل، بينما في الجوف وأنت تقصد موقعًا أثريًّا فستجد أن الطرق غير معبدة، والمعبدة منها تغلب حفرها على إسفلتها، ولا تكاد تجد لوحات إرشادية ترشدك إلى الموقع الذي تبحث عنه، والحديث هنا عن المواقع التي تقع داخل المدن والمحافظات، أما ما كان خارجها فلا تسل عنه.
جرش (جراسا القديمة) التي تعود إلى العصر اليوناني والعصر الروماني، والتي يُطلق عليها اسم "بومبي الشرق"؛ لأنها ما تزال تحتفظ حتى يومنا هذا بمعالمها الأثرية الرائعة، وكانت آثارها ولا تزال مقصد الزائرين ومحطّ أنظار الرّحالين والسيّاح والعلماء وطلاب المعرفة من جميع أنحاء العالم.. وعندما يقبل الزائر نحو المدينة، تطالعه البوابة العظيمة ذات الأقواس الثلاث، والتي بُنيت على شرف الإمبراطور الروماني هدريان عند زيارته لها سنة 129 ميلادية.
وتُعدّ تلك البوابة المدخل الرئيس لمدينة جرش الأثرية والتاريخية؛ إذ إن الزائر الداخل إلى مدينة جرش أول ما يرى قوس النصر ببواباتها الثلاث التي لا تزال قائمة حتى منتصف ارتفاعها الأساسي تقريبًا وبعرض كلي للأقواس يبلغ (85) قدمًا، وكانت بوابة قوس النصر الوسطى التي يبلغ ارتفاعها (39) قدمًا، وعرضها (21) قدمًا، وعمقها (22) قدمًا بمثابة بوابة شرف تقوم على مؤازرة البوابة الجنوبية للمدينة، ولم تكن تفتح هذه القوس إلاّ لدخول الشخصيات التي يرغب كبار المدينة أن يرحبّوا بهم ترحيبًا خاصًّا، وتحمل قواعد الأعمدة البارزة في جوار الواجهة من الجانبين نقوشًا تمثل أكاليل ورق الخرشوف وهي ظاهرة غير عادية تتكرر في البوابة الجنوبية، أما المساحة الكبيرة الواقعة إلى الغرب وراء القوس فهي ملعب للخيل طرفه من الشمال شبه مستدير، وكان هذا الملعب محاطًا بصفوف من المقاعد في جميع جوانبه عدا الجانب الجنوبي، ولا يزال صفان أو ثلاثة من المقاعد قائمًا في مكانه من الجانب الغربي.
وجرش كانت واحدة من مدن الديكابوليس، وهو اتحاد عشر مدن رومانية يعود للقرن الأول قبل الميلاد. ولكنها المدينة الوحيدة من بين تلك المدن التي بقيت على عظمتها السابقة.
وفي أيامنا هذه يستطيع الزائر أن يتجول بين هياكل المدينة ومسارحها وساحاتها وحمّاماتها وشوارعها المبلطة ذات الأعمدة الشامخة، والتي تحيط بها كلها أسوار واسعة النطاق.
وقد عثر علماء الآثار في داخل هذه الأسوار على بقايا مستوطنات تعود للعصر البرونزي، والعصر الحديدي، ولعهود اليونان والرومان والبيزنطيين والأمويين والعباسيين، مما يشير إلى إقامة الإنسان فيها منذ 2500 سنة.

التنقيب والترميم
وأنت تتجول في جرش تشمّ أنفاس التاريخ في كل ركن من أركانها؛ نظرًا لأن التنقيب كشف عن كثير من معالم المدينة التي تبدو لزائرها صورة مكتملة للفعل الحضاري الذي تتابع على أرضها، والمسافات الشاسعة في أرجاء المدينة الأثرية، تعكس مدى الإصرار لدى المسؤولين عن التنقيب لاكتشاف المزيد ممّا خبّأته الأرض من آثار تلك القرون. ومن جهة أخرى فالمرمّمون المحترفون حافظوا على هوية المكان، ويندر أن ترى حجرًا شذًّ عن مكانه أو لونًا مختلفًا أو طينة اختلطت بحجر، أو منطقة تهدّم جزء منها فعولج ذلك التهدم بالإسمنت أو بمادة غير مادته، فضلاً عن أن بعض الزوايا التي لم يتمكن الترميم من إصلاحها أبقيت كما هي دون تدخل، وأكثر ما لفتني في المحافظة على هوية الموقع التاريخية أن الممرات بقيت كما هي، ولم تضف إليها بلاطات للزينة أو إسفلت، ولم تنتشر الأعمدة الكهربائية المزخرفة، وهذا ممّا يجعل الزائر لجرش يعيش التاريخ بكل تفاصيله وأبعاده وروائحه.
والإتقان في التنقيب يعود حسب خبراء الآثار إلى أن الذين باشروا العمل هم الخبراء المختصون، ولم يُترك الأمر للعموم ممن لهم مجرّد دراية بسيطة، كما أن دقّة الترميم تكون عبر دراسات تسبق الترميم تحدّد الأدوات والألوان التي يجب أن تُستخدم ويكون التنفيذ عبر شركات متخصصة في ترميم الآثار، لا من خلال شركات المقاولات غير المتخصصة، وهو الأمر الذي رأيناه في آثار الجوف؛ إذ إن الشركات التي تشرف على الترميم هي شركات مقاولات لا علاقة لها ولا دراية بترميم الآثار، الأمر الذي يظهر جليًّا على آثار الجوف، هذا فضلاً عن كون الترميم لم يكن مبنيًّا على دراسات تسبق عملية الترميم، تحدّد احتياجات الترميم والمواد والألوان المستخدمة.
ولا يمكن الحديث عن تنقيب في منطقة الجوف؛ لأن ذلك منعدم تمامًا، وكما يقول أستاذ الآثار بجامعة الملك سعود الدكتور خليل المعيقل: "آثار الجوف لم يُعرف منها إلاّ ما كان شاخصًا وما خفي أعظم"، وعلى الرغم من أن المنطقة زاخرة بالمواقع الأثرية إلاّ أن أعمال التنقيب فيها اقتصرت فقط على الدراسات التحليليّة، ولعله من المفيد هنا إيراد الخبر الذي يقول بأنه "تم اكتشاف غرف أثرية مطمورة تحت الأرض غرب محافظة دومة الجندل على طريق مزارع أجربة، بعد أن تمّ حفرها من قبل مجموعة من الأشخاص، وقد وُجد بجانب الغرف قطع لجرّات مكسورة، وقد أفاد أحد رعاة الأغنام القريبين من المكان أنه شاهد مجموعة من الأشخاص حضروا في الليل، وقاموا بالحفر وغادروا المكان بعد طلوع الشمس، ومازالت هذه الغرف والمجسّات، ولعل السؤال الأبرز دائمًا: لماذا تُترك آثار الجوف للرياح تنخر ما تبقى منها دون تنقيب أو ترميم؟ وأين هم المسؤولون عن الآثار؟!

القراءة التاريخية
ولعل أكثر ما لفت الانتباه بين جرش وآثار الجوف هو وضوح القراءة التاريخية لآثار جرش إلى درجة أن معلومات المدينة متراصّة ومترابطة، وتحكي الصورة الماثلة أمامك بتسلسل منطقي وسلس، دون أن تحسّ بنقص في المعلومة أو خلل في تركيبها، وكذلك نُسجت قصصها بشكل يتماثل وأسطوريّة المكان، ولا شك أن ذلك جاء نتيجة للبحث والتنقيب والدراسة المستفيضة، بينما ذلك الوضوح والتراتب في المعلومة تراه ناقصًا بشكل كبير في آثار الجوف؛ فالأماكن التي عرفت بعض معلوماتها التاريخية تجد تضاربًا يعتري تلك المعلومات، بسبب عدم استيفائها للدراسة والبحث والتحرّي، وبعض الأماكن لا تكاد تجد لها معلومات تُذكر، كما أن بعض الظواهر ليست لها تفسيرات منطقية مقنعة كظاهرة الحيوانات والنباتات المتحجّرة، والحديث هنا عن الأماكن الشاخصة، وليس التي لاتزال تحت الأرض وهذا أمر مخجل، وما زال البحث العلمي المتعلق بآثار الجوف متسعًا حدّ اتساع رقعة المنطقة، والحاجة إلى الدراسة والبحث والتقصي عميق عمق تاريخها الحضاري والعصور التي مرّت بها.

المرشدون السياحيون
في جرش رأيت أطفالاً لا يتجاوزون سن الخامسة عشرة يتقنون أكثر من لغة، ويحفظون تاريخ المدينة عن ظهر قلب، هذا فضلاً عن المرشدين السياحيّين الذين هم أيضا يتحدثون أكثر من لغة، ويقفون على كل جزء من تاريخ مدينة جرش، بينما في الجوف بالكاد تستطيع أن تجد من يحدّثك عن تلك الآثار حتى ممّن هم على علاقة مباشرة بها؛ فهم لا يستطيعون أن يمنحوك سردًا معلوماتيًّا منتظمًا، بل يحدّثوك عن بعض ما يشيع عند عامة الناس، وأستثني هنا حسين الخليفة مسؤول جهاز السياحة الذي أمدني بالكثير من المعلومات. الشاهد أن نقصًا حادًّا في المعلومات ترتّب عليه نقص العارفين بآثار الجوف، بل يتجاوز الأمر الى عدم معرفة كثير ممن قابلت للمواقع الأثرية في الجوف سوى المشهورة منها.

الترويج والتسويق
وفي حين كانت جرش عامرة بالزائرين؛ ففي ساعة وصولي إليها كانت المجموعات المتواجدة تربو على سبع مجموعات، وكل مجموعة في تقديري تضمّ ما يزيد عن (25) فردًا، فيما لم أصادف في أي جولة من جولاتي زائرًا واحدًا لأحد المواقع الأثرية في منطقة الجوف، باستثناء عائلة صادفتها وأنا خارج من قصر كاف بالقريات، ولعل ذلك يعود إلى الفرق في الترويج والتسويق؛ فجرش التي يعرفها الكثيرون من خلال كونها منطقة جذب سياحي، ومهرجانها السنوي لا تكاد منطقة الجوف تُذكر لا بإمكانياتها الأثرية الهائلة، ولا ببرنامج يميزها ويجذب إليها.

حماة الآثار
ومن أول خطوة تخطوها إلى باب المدينة الأثرية ترى ما يسمى بـ "الشرطة السياحية" منتشرة حول وفي زوايا آثار جرش من الداخل، وهو ما يعطي انطباعًا لدى الزائر بأهميتها كمصدر من مصادر الاقتصاد القومي، الأمر الذي انعكس على حديث أحد البائعين حين سألته عن تحفة يبيعها إن كانت من جرش فقال لي: لا نستطيع أن نأخذ أي قطعة من داخل الآثار؛ لأن الأمن لن يرحمنا، في الوقت ذاته نجد كل آثار الجوف بلا استثناء سائبة ومستباحة؛ فالحفريات تنتشر في كل أرجائها، والذي سُرق من تحف ومجوهرات وتماثيل – على حد قول أحد الأثريّين – أكثر مما بقي، بل تجد داخل البيوت بعض القطع النادرة التي أُخذت من مواقعها، وقد علّق لي أحد مُلاّك المتاحف الشخصية على بعض القطع الأثرية النادرة بأنه أخذها من مواقع أثرية بالجوف؛ لأنه على الأقل سيحتفظ بها عنده ويحميها، بدلاً من أن يتركها فيأخذها من يبيعها في السوق السوداء، وقال لي بأن قطعًا أثرية كثيرة قد هُرِّبت إلى خارج البلد، ذلك فضلاً عن أبسط أنواع الحراسة على الأماكن الأثرية المسوّرة غير موجودة، وقد ذكرنا في إحدى الحلقات بأن الكيبل الكهربائي لقلعة زعبل قد سُرق، وفي هذا الباب يحكي أهالي الجوف أحاديثَ وقصصًا لها أول وليس لها آخر، وليس أعجبها ما يقوم به بعض الشباب من شراء أجهزة من دبي تحدد مواقع الذهب لاستعمالها في البحث عن الذهب في مواقع آثار الجوف.

الاستثمارات الغائبة
في الوقت الذي بلغت فيه عائدات السياحة الأردنية - حسب وزير السياحة والآثار الأردني أسامة الدباس -  ملياري دولار بزيادة نسبتها 30% عن العام الماضي، مؤكدًا أن الوزارة تطمح لبلوغ العائدات حاجز (3) مليارات دولار مع نهاية العام المقبل. كما توقع أن يرتفع عدد السياح هذا العام بنسبة 10% مقارنةً مع العام الماضي.
هذا باختصار حال حركة الاستثمار والزوّار في آثار الأردن بشكل عام وجرش بشكل خاص، في الوقت الذي لم أجد إجابة لا من هيئة السياحة ولا من غرفة تجارة الجوف إزاء التوقّعات الاستثمارية لآثار الجوف، ففي حين أجابني فرع سياحة الجوف بأنهم لا يملكون دراسات يمكن أن تشير إلى العائدات الاستثمارية المتوقعة من آثار الجوف، وبأن هذا الأمر ليس من اختصاصهم أجابتني الغرفة التجارية أيضًا بأنهم لا يملكون دراسات في هذا الجانب، وبأن الأمر ليس من اختصاصهم؛ فهم يملكون دراسات حول العائدات الاستثمارية المتوقعة فيما يخص الصناعة والزراعة وحسب؛ لأن السياحة ليست من صميم اهتمامهم بل يعود شأنها للسياحة، وحول الأسلوب المتبع لدى هيئة السياحة لاستقطاب المستثمرين ورؤوس الأموال في ضوء انعدام دراسات الجدوى والأرقام التي يمكن أن تغري المستثمرين أجابت السياحة بأن كل ما نملكه هو تهيئة المواقع فقط