الحرّية ومتلازمتا الإبداع والنقد

كتب بواسطة: سلطان الحمزي | في الملف . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :83 | عدد المشاهدات : 3832

الحرّية ومتلازمتا الإبداع والنقد

نسخة للطباعة
يحتل العقل بما يمثله من رمزية المعرفة والتفكير الإبداعي مكانة سامية في التصور الإسلامي للحياة ، فمادة "عقل " مثلا وردت في القرآن الكريم 49 مرة معظمها بصيغة المستقبل, ففعل " تعقلون" تكرر 24مرة, وفعل " يعقلون" تكرر 22مرة, وفعل "عقل" و" نعقل" و"يعقل" جاء كل واحدٍ منها مرة واحدة ولم يرد لفظ العقل معرفاً، وعليه فإن مفهوم العقل في القرآن يأخذ مناحي متعددة, مجملها تشير إلى أنه أداة العلم والمعرفة, والتمييز بين الأشياء.
وبالنظر إلى آيات القرآن ودلالاته يجد المتأمل الدعوة إلى إعمال العقل في مجال النظر والتفكر, والاستفهام والسؤال, والاستنتاج والاستنباط, والحوار والنقاش, وإثبات الحقائق وإبرازها, والإخبار عن القصص للتفكر والتدبر فيها.
ولذلك ليس عصيا أن نفهم كل ذاك الاهتمام بالعقل بل وحتى بسياقاته التفكيرية، وفي تعليقه على الآية الكريمة : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) (سبأ:46) يقول العلامة يوسف القرضاوي: "هذه الخصلة الواحدة المطلوبة مكونه من خطوتين: أولى وثانية. الخطوة الأولى: أن يقوموا لله مثنى وفرادى, والقومة تعني: النهوض والعزيمة. والخطوة الثانية: أن يتفكروا, أي يعمِلُوا عقولهم ولا يجمدوها" ويتابع القرضاوي: "فهو ـ أي القرآن ـ يرفض "العقلية الخرافية", ويرفض "العقلية المقلدة", ويرفض العقلية المتخرصة", ويرفض "العقلية المتبعة للهوى" .
إن التصور الإسلامي للإبداع يقوم على تولي العقل دوره الريادي في المعرفة والبناء العلمي, والحصول على أعلى الرتب العلمية سعياً في محاربة الجهل, ومحو أمية العقل, وجاهلية الموجودات منه, ويدعو إلى المعرفة المطلقة, والمعرفة بوجود الله تعالى, والمعرفة بما في الكون من مخلوقات, وموجودات .
" ولقد وضع القرآن الضوابط العلمية التي تحكم مسار العقل في تعاطيه مع  العلم، ومن تلك الضوابط رفض التقليد الأعمى للآباء والأسلاف, فالعقل لا بد له من التحرر والانطلاق بين أفياء المعرفة, وبساتين العلم, يستنتج ويستنبط ويحلل ويقيس, لقد شن القرآن حملة عنيفة على الجمود والتلقيد في كل صوره, وسائر أشكاله, حيث يقول تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) (البقرة:170), ويقول تعالى: (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ) (هود:109), والقرآن زاخر بمثل هذه الآيات الرافضة للتبعية والتقليد في الاتباع لأن ذلك يلغي عمل العقل ويوقفه عن العمل, ويؤدي إلى جموده وإنكاره للجديد في مجال المعرفة والتكنولوجيا, والتقدم العلمي بكل صوره وألوانه, ومن تلك الضوابط رفض التبعية للسادة والكبراء, فإن هذا اللون من التبعية لأصحاب السلطان والثراء مفسدة للعقل كذلك, من حيث كونه خوفاً وتعطيلاً للعقل وعمله في العطاء, ولقد ذم القرآن هذا النوع من التبعية العمياء, حيث قال في قصة فرعون: (فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) (هود:97), وقوله تعالى في قصة هود: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (هود:59). ومن الضوابط القرآنية للعقلية العلمية عدم اتباع الأهواء والعواطف في مجال العلم, فالعقل لا بد أن يؤدي دوره في المعرفة والعلم باتباع الحقيقة وإظهارها والصدع بها, وعدم التنازل عن الحقائق, أو تدويرها بسبب العاطفة والهوى فإن ذلك مما يتصادم مع الحق والهدى, ومع العقل نفسه, والقرآن صريح في هذا حيث قال الله لداود: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص 26) ."
إن دور العقل في البناء الحضاري يتمثل في إنتاج مبدع وخلاق يتواكب مع التطورات بحلول جديدة توسع على الناس في شؤونهم اليومية وفي ميادين التكنولوجيا, والتقدم الصناعي, والعلمي, ويطور قدراته على مواجهة الأزمات والتحديات المعاصرة .
وحتى يتمكن العقل من القيام بذلك الدور الإبداعي على أكمل وجه ، ويتحول الإبداع إلى ظاهرة مجتمعية فهو بحاجة إلى عاملي "الاستقرار والحرية "؛ فالاستقرار مرتبط بقيام الدولة القوية الآمنة ، والحرية - لكونها حاضن رئيس لتوالد الإبداع ونموه وتطوره- مرتبطة بالمناخ السياسي الذي يفرضه شكل مؤسسات وأنظمة تلك الدولة.
ولا شك أن الدولة الحضارية تجعل الحرية مطلقة ما دام أنها تحترم التعددية "الاختلاف" وتحتكم للدستور "المرجعية " ، وهي بذلك تقدم أنموذجها المبدع للعالم في شكل منتجات تتعلق بـ "حقوق الإنسان كفرد" و "مفاهيم العدالة الاجتماعية" و "سيادة القانون على جميع أتباع الدولة" و "قدسية العلم والمعرفة كمشترك عالمي".
أما الدولة الانتهازية فهي تقدم المصالح والامتيازات الشخصية لطواقمها عبر الالتجاء للاستبداد السياسي كمعوق للحرية وقامع لها، وتجعل المؤسسة الأمنية هي " القوي الأمين " في متابعة ورصد واغتيال أي مؤشرات للحرية؛ نظرا لأن كل المنتجات التي ستفرزها الحرية حتما ستكون على حساب الامتيازات والمصالح الشخصية ، وكلما ازدادت رقعة الحرية ضاقت مساحة الامتيازات، وخلقت وعيا مجتمعيا ذو مناعة قوية تغدو بسببه القابلية للاستبداد والاستعباد مستحيلة، وهو الأمر الذي يفسر وحشية المستبدين الحاصلة حاليا في بعض الأرجاء العربية، ولا تسمح تلك الأنظمة إلا للإبداع الصوري الذي يستخدم لتزيين الصورة في الأذهان ومداعبة المشاعر .
ولذا جاء من أهم مفرزات الاستبداد السياسي الازدياد المضطرد في هجرة العقول والكفاءات العربية المبدعة منذ الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي وحتى الآن، حيث تظهر الدراسات التي أجرتها المنظمات الدولية وخصوصاً الأمم المتحدة أن معظم العناصر المهاجرة هي من الكفاءات ذات القدرة العقلية المتطورة وتشمل جميع فروع المعرفة العلمية .
ولإدراك بعض أبعاد تلك الظاهرة وبحسب الإحصائيات المتاحة الواردة عن جامعة الدول العربية، ومنظمة العمل العربية، ومنظمة اليونسكو، وغيرها فإنه :
  يهاجر حوالى (100,000) مائة ألف من أرباب المهن وعلى  رأسهم ، العلماء  والمهندسون والأطباء والخبراء كل عام من ثمانية أقطار عربية هي لبنان، سوريا، العراق، الأردن، مصر، تونس  المغرب، الجزائر. كما أن( 70%) من العلماء الذين يسافرون إلى الدول الرأسمالية للتخصّص لا يعودون إلى بلدانهم .
  منذ العام( 1977) ولحد الآن هاجر أكثر من (750,000) سبعمائة وخمسين ألف عالم عربي إلى الولايات المتحدة الأميركية .
  إن (50%) من الأطباء، و( 23%) من المهندسين، و( 15%) من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يهاجرون إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا.
  يسهم الوطن العربي في ثلث هجرة الكفاءات من البلدان النامية خـصوصاً أن (54%) من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم.
  يشكل الأطباء العرب العاملون في بريطانيا نحو( 34%) من مجموع الأطباء العاملين فيها .
  تجتذب ثلاث دول غربية غنية هي : الولايات المتحدة الأميركية  وبريطانيا وكندا نحو (75 %)من العقول العربية المهاجرة.
   وتؤكد التقارير المشار إليها أن مصر وحدها قدمت في السنوات  الأخيرة  60% من العلماء العرب والمهندسين إلى الدول الغربية  في حين كان إسهام كلّ من العراق ولبنان( 15% ). وشهدت العراق ما بين(1991- 1998)هجرة (7350)عالماً تركوا بلادهم نتيجة الأحداث السياسية والأمنية وبسبب الحصار الدولي الذي كان مفروضاً على العراق، وتشير هذه التقارير إلى عمل عدد كبير من العقول العربية في اختصاصات حساسة في بلاد الغرب مثل: الجراحات الدقيقة، والطب والهندسة النووية وعلوم الليزر، وعلوم الفضاء وغيرها من الاختصاصات عالية التقنية .
  وتشير دراسة أعدتها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة إلى وجود( 4102) عالم إسلامي في مختلف علوم المعرفة في مؤسسات ومراكز أبحاث غربية .
وللتأكيد فقد أرجع باحثون عربا وغربيون "يتبعون لمؤسسات حكومية ومدنية" تلك الظاهرة إلى أسباب كثيرة، أهم ما توافقت تقاريرهم عليه: -وجود بعض القوانين والتشريعات المالية التي تربك أصحاب الخبرات، فضلاً عن البيروقراطية والفساد الإداري وتضييق الحريات على العـقول العلمية المبدعة، والتي تبدأ من دخولهم البوابات الحدودية لدولهم وصولاً لأصغر موظف استعلامات في الدوائر الرسمية، مما يولد لديهم ما يسمى بالشعور بالغبن، من خلال كوادر إدارية لا تفهم مهمة الباحث ودوره في المجتمع.
  والى عدم الاستقرار السياسي أو الاجتماعي والإشكاليات التي تعتري بعض تجارب الديمقراطية العربية، وتهميش الباحث من قبل القيادات العلمية والسياسية والتي تؤدي في بعض الأحيان إلى شعور بعض أصحاب الخبرات بالغربة في أوطانهم، أو تضطرهم إلى الهجرة سعياً وراء ظروف أكثر حرية وأكثر استقراراً .
وفي مقابل تحول البيئة العربية إلى "بيئة طاردة" للإبداع والمبدعين، استثمر الغربيون الفرصة عبر فتح مجالاهم الحر والآمن للمبدعين العرب، وتوظيف تلك الهجرة بما يخدم أهدافهم الحالية والمستقبلية مستفيدين من النبوغ الذهني المتطور لأولئك المهاجرين، وجنوا الثمرة تقدما هائلا في العلم والتكنولوجيا والمال، فمثلا خلال عقد السبعينات فقط قدر أن ما حصلت  عليه " الولايات المتحدة الأمريكية من ثمار تلك العقول تجاوز الـ(30) ملياراً، من اصل 50 مليار دولار، وكندا على (10) مليارات وبريطانيا على (3.5) مليارات، أما الباقي فتوزع بين الدول الأوروبية وأستراليا ونيوزلندا، ويمكن القول إن الأرباح التي حصلت عليها هذه الدول أكثر من مجموع المساعدات التي قدمتها إلى جميع الدول النامية".
ومن المفيد حتما الإشارة هنا إلى صنو الإبداع " النقد "، فهما توأمان يلدان من العقل ويترعرعان في الحرية، والنقد من الأفعال المشتهرة للنخبة المبدعة إذا أن المنتج المبدع لا يرضى أن يرى الأخطاء في القرار أو السلوك، وبالتالي يتحول النقد إلى ظاهرة مجتمعية، بل ويعد واحدا من أهم المظاهر الصحية للمجتمع الحضاري، فالإبداع يقدم منتجات جديدة والنقد يقوم تلك المنتجات ويطوعها للاستخدام الذي يضفي على المجتمع أو يرفضها.
والنقد كما الإبداع لا ينمو إلا في أجواء الحرية؛ إذ أنها تؤمن للنقد البيئة السليمة، وتغدوا المحفز نحو تغليب إحلال النقد البناء والشفاف والصدق مكان الهدم والنفاق والخداع والكذب .
وسد الحرية سد للنقد وتهيئة للمناخ المريض كي ينمو وينتشر كالسرطان ، وبذلك يتحول المجمع إلى جسد معتل ومنهك وبالتالي متخلف في كثير من أفكاره وأشيائه.
وفي حضور الإبداع والنقد لا يستطيع التصدر للقيادة والتوجيه إلا المبدعون الأقوياء، لذلك فالإبداع والنقد عدوان للمستبد لأنهما يكشفان عوار ضعفه وجموده وجهله وخداعه لجماهيره، الأمر الذي يجعله ينهار سريعا ولا يستطيع المقاومة حتى، لذا يستعيظ المستبدون بكبت الحرية قتلا للإبداع والنقد وحماية لامتيازاتهم، حتى لو كان ثمن ذلك الفعل هجرة كل المبدعين وبقاء بلدهم في ذيل قائمة البلدان النائمة.
وما من شك إن انسداد الحرية وانتشار الفساد طريقان للتراجع الحضاري والإنمائي والأخلاقي والاجتماعي والمالي والجغرافي