ذبول الثّقافة

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في رأي . بتاريخ : Jul 7 2012 | العدد :80 | عدد المشاهدات : 2437

ذبول الثّقافة

نسخة للطباعة
الثقافة بالنسبة إلى أي أمة هي ذاتها، وهي الوجه الذي يمثلها أمام العالم، وهي أيضًا أداتها في الحفاظ على استمرارها، وأعني بالثقافة هنا ذلك الكلَّ المركَّب من العقائد والأخلاق والآداب والنظم والعادات والتقاليد السائدة في بيئة معينة. هذه الثقافة تتشكّل وتتجذّر خارج الوعي والشعور، وهي تعمل في توجيه سلوكياتنا بطريقة غير مرئية، وهي ذات طبيعة متحركة؛ فهي بالنظر إلى كونها كلاًّ مركّبًا ومعقّدًا تجدّد نفسها من خلال طرد بعض العناصر وتقبُّل عناصر أخرى، وتتسارع هذه العملية حين تتعرض الثقافة لنقد جذري متواصل، وحين تتعرض لدفق ثقافي كبير مباين لأصولها الكبرى، على ما نشاهده في هذه الأيام.
تشكّل الثقافة شيئًا خطيرًا في حياة الأمم، وحين تتعرض الثقافة للانقراض فإن ذلك يعني تعرّض الأمة الحاملة لها للمصير نفسه، وقد كان (هتلر) يقول: إذا سمعت كلمة (ثقافة) تحسَّسْت مسدسي!
المشكل دائمًا أن  الثقافة حين تنقرض أو تذبل بصورة بطيئة ومتدرجة، فإن الوعي يُبدي قصورًا في الشعور بذلك مما يجعل الناس لا يبذلون الجهد المطلوب لصون تلك الثقافة والدفاع عنها.
إن أي ثقافة لا تتبنّاها دولة، أو تتجسد بشكل واضح في سلوك الناس تتعرض للاندثار، ومن هنا كان من المهم دائمًا أن نتفحص كل أجزاء ثقافتنا بطريقة علمية ومنهجية، وأن نملك القدرة على تمثّلها في حياتنا اليومية. ونحن نلاحظ ـ على سبيل المثال ـ اختفاء الكثير من الأطعمة والأشربة الصحيّة التي كانت سائدة في البيئة العربية بسبب انتشار المأكولات السريعة والأشربة الغازية، كما نلاحظ أن التواصل بين الجيران في المدن الكبرى قد وصل إلى الحد الأدنى بسبب كثرة المشاغل واتساع مساحة الحرية الشخصية والميل العام إلى العزلة، بل نستطيع أن نقول: إن التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة ـ ولاسيما الأسر الثرية ـ قد تراجع بصورة ملحوظة بسبب استقلال الأبناء في غرفهم الخاصة، وبسبب وسائل الاتصال التي أتاحت لهم تواصلاً هائلاً مع الزملاء والأصدقاء ومع العالم الخارجي عامة، ونجد على صعيد (العبادة) تراجع أعداد الذين يخرجون إلى صلاة الفجر بسبب التأخّر في السهر وكثرة وسائل اللهو المتوفّرة في كل منزل.
السؤال الذي يطرح نفسه دائمًا: هو كيف نحمي الأجزاء الأساسية في ثقافتنا من الذّبول والاندراس؟
في اعتقادي أننا سنخسر الكثير من الفضائل والإيجابيات إذا تركنا الأمور تمضي على أعنّتها من غير تدخُّل وإجراءات مقصودة ومنظَّمة، وهذا ما تفعله الأمم المتقدمة اليوم؛ فإنها إذا أحسَّت بوجود ضمور في جانب من جوانب ثقافتها أطلقت عشرات المبادرات العملية بغية إيقاف التدهور واستعادة ما يمكن استعادته من ذلك.
بالوعي والنقد والتنظيم والجهد المنسَّق يمكن لنا أن نحمي ونحصِّن ثقافتنا من عاديات الثقافات الأخرى؛ وهذا ما علينا أن نفعله.