الرئيسية: أوراق ثقافية العودة

الدراما العربية والتصالح مع الشخصية المتدينة

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في أوراق ثقافية . بتاريخ : Jun 9 2012 | العدد :60 | عدد المشاهدات : 2324

بخلاف السنوات الماضية، بدت الدراما العربية هذا العام (في رمضان تحديداً) أكثر تصالحاً مع الشخصية المتدينة التي كانت مدار نقد عنيف من قبل معظم كتاب السيناريو خلال العقد الأخير؛ إذ لوحظ خلو الإنتاج الدرامي التلفزيوني من الهجوم والسخرية على شخصية المتدين وسلوكياته في الحياة الاجتماعية العادية ومواقفه من السياسة والفن.
وتقود جولة استعراض سريعة على مجمل ما عُرض في رمضان هذا العام إلى أن الدراما الاجتماعية استحوذت على النصيب الأكبر من الأعمال المعروضة، تلتها المسلسلات ذات الطابع البدوي أو التاريخية، وهي أعمال اختفت فيها النزعة الإيديولوجية بشكل كبير، وان لم تخل تماماً من بعض الإشارات هنا وهناك. أيضاً كان لافتاً أن يصدر أكثر من عمل هذا العام يتناول حياة الأثرياء العرب وأسرهم، أو ما يمكن تسميتهم بـ(الطبقة المخملية)، عبر امتدادهم السياسي والاجتماعي والشخصي؛ فمن أجل المال ومن أجل المتع الحسية يندفعون ضاربين بالمبادئ الإنسانية والقيم والأخلاق عرض الحائط، واضعين الثروة والمتعة والسلطة هدفهم الأسمى؛ فهؤلاء الأثرياء الذين يمتلكون الطائرات واليخوت والقصور والثروة الطائلة يعيشون حياة مختلفة، لا تخلو من الصراعات الداخلية التي تصل حد البطش أحياناً، ويظهر هذا الجانب بوضوح في مسلسل (هوامير الصحراء) الذي عُرض في إحدى الفضائيات، ويشير مصطلح (هامور) المعنون به المسلسل إلى الشخصيات المسيطرة على البورصات في الخليج، وهي تسمية تسربت إلى الواقع الاجتماعي الخليجي من انتعاش أسواق الأسهم وانخراط معظم المواطنين في الاستثمار في هذه السوق. 
في السعودية -وبشكل خاص- لم تكن هناك انتقادات حادة من قبل الأعمال المعروضة في رمضان المنصرم، ما عدا بعض الحلقات من دراما (طاش ما طاش)، وتحديداً تلك التي تناولت تطوير التعليم والمناهج، بيد أن هذا النقد لم يكن صائباً في نظر الكثيرين؛ إذ إن الإسلاميين أنفسهم أصبحوا ينادون بتطوير المناهج الدراسية، وعليه فإن تصوير هذا التيار بصفته معادياً للتطوير لم يجد حماساً أو تأييداً يُذكر.
طلحة جراد، أحد النقاد والمهتمين بتحليل مضمون الدراما العربية، لاحظ تضاؤل نسبة الانشغال بنقد الشخصية المتدينة في الأعمال التلفزيونية التي عُرضت على امتداد العامين الماضيين وليس في رمضان المنصرم وحسب، وذكر في تصريحات له أن الهجوم على المتدينين كان شديداً في العقد الأخير بسبب تأثير هجمات 11 سبتمبر، وأحداث أفغانستان وما تلا ذلك من تصاعد في الهجوم على المتدينين من قبل أكثر من جهة سياسية وإعلامية، لم تكن الدراما إلاّ تعبيراً عما يدور في أذهان بعض الفئات المتنفذة، سواء المالكة للمال أو التي تحكم قبضتها على الإعلام في الوطن العربي. لافتاً في هذا الصدد اإلى ما وصفه بعملية (تزوير ثقافي) واسعة قامت بها بعض الجهات للترويج عند المواطنين العاديين بأن التدين هو خصم على مجتمعاتهم، بل وصل الحال – يقول جراد- في بعض الأحيان إلى اعتبار التدين بمثابة عدو يجب الحذر منه والتعامل بحزم مع من يلتزمون به. ولذا كانت معظم الدراما مشحونة بالعداء والتوجس لكل ما يمثل التدين، تحت سيطرة هؤلاء الذين تحركهم أيدلوجيات معينة تجعلهم يقفون في موقف المحارب لتمدد التدين في العالم العربي والإسلامي.
ومن بين العوامل التي يعتقد طلحة جراد أنها ساهمت في تقليل الهجوم على الشخصية المتدينة، هو كثرة القنوات الإسلامية وتقديمها للعديد من الشخصيات الوسطية التي تطرح رؤى متزنة ومقبولة من الجميع، مما جعل الجمهور الذي كان يتلقى الانتقادات على هذه الشخصيات، يقارن بين ما كان يسمعه من الدراما التي تهاجم المتدين، وبين ما يجده في القنوات التلفزيونية من عمق ووسطية ويسر، فأصبح يتساءل عن سبب الهجوم غير المسوّغ على المتدينين، مما جعله (الجمهور) في النهاية يكتشف أن هذا الهجوم هو عبارة عن تصفية حسابات من قبل التيارات المناوئة للإسلاميين.
ويرى الناقد المتخصص في الدراما أن الهم الاجتماعي والاقتصادي كان طاغياً على مجمل المسلسلات، وذلك ربما –كما يقول- بسبب الأزمة المالية، وتمدد الفقر في المجتمعات العربية، بجانب تزايد المشكلات الاجتماعية التي أصبحت تعاني منها، تحت تأثير التقنيات الإلكترونية المتطورة التي بدأت تجلب الكثير من القيم والعادات الغربية، في حين أن المجتمعات المحلية ترفض هذه العادات، وهو الأمر الذي أحدث تجاذباً حاداً بين جيل الشباب وما نشأ عليه المجتمع من عادات، أفضى في النهاية إلى مشكلات متعددة، حاولت هذه الدراما تصويرها في أكثر من قالب فني، بيد أنه انتقد بهذا الخصوص بعض الأعمال الدرامية التي تناولت هذه المشكلات قائلاً: إنها لم تقدم حلولاً، كما أن عرضها لبعض العادات المستوردة لم يكن بطريقة احترافية يعرف منها خطأ وخطورة هذه العادات على مجتمعاتنا، بل كان تناولاً يوحي بأنه يمكن لهذه العادات والقيم أن تتماشى مع قيم المجتمعات العربية والإسلامية بشكل طبيعي واعتيادي.


 


مساحة إعلانية
الأعلى