الرئيسية: الملف العودة

ماجد بن جعفر الغامدي: انتشار المسميات الأجنبية يعكس نقصاً تجاه الهوية غير العربية

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jun 9 2012 | العدد :60 | عدد المشاهدات : 4127

يُعدّ الإعلامي السعودي ماجد بن جعفر الغامدي أحد القلة المنتبهين لدور الإعلام في صناعة وتشكيل القيم في المجتمعات، وبسبب اهتمامه هذا، أصدر كتاباً هو الأول من نوعه حتى الآن تحت مسمى (الإعلام والقيم)، تحدث فيه باستفاضة عن خطورة دور الإعلام، سواء في دعم قيم ومعتقدات معينة أو في محاربتها.
وفي هذا الحوار أورد الغامدي بعض آرائه حول مهدّدات الهوية الإسلامية والعربية تحت طغيان حضارة الغرب وانبهار كثيرين من العرب والمسلمين بهذه الحضارة ومنجزاتها، وهو ما يعكس تمدد واتساع استخدام اللغات الأجنبية في أحاديث العامة، وفي مسميات الشركات والعلامات التجارية، بل بعض المؤسسات الإعلامية العربية.
 كيف ترى العلاقة بين هوية المجتمعات واللغة التي يتكلمون بها؟
- كما يُقال: اللغة وعاء الثقافات. فاللغة تشكّل تركيباً سطحياً دالاًّ على معانٍ عميقة، فأيُّ لغة قوم هي عبارة عن مفردات تعكس كمية من المعاني العميقة، فعندما تُستبدل بترجمة وعبارات من لغة أخرى فإنها لا تعكس نفس المعاني العميقة حتى ولو كان المقابل اللفظي واحد والترجمة صحيحة.
ففي هذا المقابل اللفظي دلالات شعورية وأخيلة وظلال معنوية متنوعة، وبالطبع هي تابعة لمصدر اللغة، فهذه الألفاظ الأجنبية تعكس ظلالاً أخرى غير ثقافتنا المحلية، ومسلماتنا الأصلية، وغير الدوافع والقيم الشعورية المحرّكة للناس، فمثلاً: لفظ أجنبي معيّن قد يعني: التحرّك نحو الحرية والانطلاق واللامبالاة؛ فهي بهذا الحجم غير الحجم الموجود لدينا في ذات الدلالة اللفظية بالترجمة الحرفية في اللغة العربية؛ فنحن نؤمن بالحرية في أطر غير أطرهم.
نحن نحتاج إلى حملة قيمية تتبني فكرة الاعتزاز بالهوية واللغة العربية كجزء من ذلك، هنا تجربتان في التاريخ القريب تؤكدان هذا المعنى، وهما:
 النموذج الفرنسي، والنموذج اليهودي.
ففي فرنسا وفي عهد الرئيس (ميتران) كان لدى الفرنسيين شعور بأن اللغة الفرنسية قد أصبحت مهددة وتعاني من التراجع على الصعيد العالمي، مع انحسار الاستعمار المباشر، وبسبب ذلك فإن دولة فرنسا قد بدأت تصبح في مصاف الدول ذات المرتبة الثانية في العالم، بعد أن كانت فرنسا على مرّ التاريخ من دول الصف الأول دائماً، وبدأت تجاهد الحركة الفرانكفونية على بقاء نفوذ الثقافة الفرنسية في العالم بعد انحلال إمبراطوريتها، فقامت عدة مراكز إستراتيجية بدراسة سبب هذه المشكلة، ووصلت إلى أن أحد أسبابها هو ضعف اللغة الفرنسية، وقلة انتشارها في العالم بعد هيمنة اللغة الانجليزية، فقاموا بإنشاء مشاريع طويلة الأجل لتقوية اللغة الفرنسية ونشرها في العالم أجمع، وبعد سنوات طويلة كانت تلك النتيجة المثمرة، والتي لربما ترون ما الذي وصل إليه الكيان الفرنسي الآن، وكيف اعتزاز الفرنسيين بلغتهم، حتى إن النظام الفرنسي يمنع الكتابة على لوحات الشوارع والمحلات التجارية بأي لغة أخرى غير الفرنسية.
النموذج الثاني: أعجبني جداً، على الرغم من أن فكرته في الأساس كانت للمساعدة على قيام دولة إسرائيل، وهنا أستعيد عبارة مفكّر يهودي قالها في نهاية القرن التاسع عشر‏ على مشارف إعلان الدولة اليهودية، قال (إليعازر بن يهودا): "‏لا حياة لأمة دون لغة‏"، وبدأ تنفيذ مشروع استمر (‏50) عاماً تحولت العبرية خلاله من لغة دينية ميتة، إلى لغة تدرس من الروضة حتى الدكتوراه في علوم الفضاء والطب وغيرهما‏،‏ فنجحت اللغة وتجسدت الأمة‏.
 كيف ترى تأثير الاستخدام الواسع للمصطلحات الأجنبية في وسائل الإعلام المحلية وفي العلامات التجارية بشكل خاص، على اللغة العربية ومن ثم هوية المجتمع التي ينظر إليها باعتبارها متكئة على هذه اللغة؟
- يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي في كتاب "وحي القلم" المجلد الثاني : "ما ذلّت لغة شعب إلاّ ذلّ، ولا انحطّت إلاّ كان أمرها في ذهاب وإدبار، ومن هنا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضاً على الأمة التي يستعمرها، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها".
فالأمم في سلّم الحضارات هناك من هي في الأعلى، وأخرى هي دون؛ فالتي بالأسفل تتلقى منتجات الأمم المتحضرة بشيء من التسليم والقبول، بدون قياس أو اختبار، وإنما تلقي المنبهر المعجب والراضي بها تماماً، وبناء على ذلك يعمد بعض التجّار إلى استثمار هذه الظاهرة بوضع مسميات تجارية بلغة الحضارة المتفوقة، فإنهم يُسوقون أنفسهم تحت عنوان هذه الحضارة المتقدمة.
 لماذا في رأيك جنحت معظم الشركات إلى اتخاذ اختصارات غربية (انجليزية في الغالب) لاسمها التجاري.. هل تعتقد تلك الشركات أن الأسماء الغربية، تعطيها نوعاً من القوة والزخم؟
قد نتفهم نوعاً ما انتشار تلك الشركات في عدد من دول العالم، فتتخذ هذه الاختصارات الغربية، ولكن أيضاً نحن العرب والمسلمين لنا اعتزازنا بلغتنا، فكم نتمنى من هذه الشركات تقديم شيء من الاحترام للشعوب العربية بأن تكون أسماؤها عربية، وفي المقابل هل تستطيع تلك الشركات أن تضع مسمياتها بلغة عربية في بلاد الغرب؟
ومن جهة أخرى فهناك بعض الشركات ليس لها أي امتداد خارج البلاد العربية أصلاً، فهل من المعقول أن تضع اسما تجارياً (انجليزياً)؟!
    ولعل هذا المعنى المهم للغة العربية، وتأثيرها على هوية الأمة هو الذي دفع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ليوجه المسلمين حين انفتحت الأمة المسلمة على ثقافات الأمم الأخرى بعد الفتوحات الإسلامية حيث قال لهم: "إياكم ورطانة الأعاجم"، وهذا المعنى أيضاً للتأثير اللُّغوي الذي دفع المسلمين في الزمن الأول نحو ترجمة العلوم الأجنبية التي احتاجوا إليها من لغاتها الأصلية إلى اللغة العربية، فكانت العربية هي لغة المنهج ولسان التعامل بين المسلمين.
 هل هناك أساس (نفسي) يمكن أن يفسر مثل هذه السلوكيات من قبل الشركات المحلية؟
- المسميات تعكس الهوية؛ فالدافع هو إعجاب بالهوية، فإعجاب الفرد بالفرد أو الشعوب بالشعوب هو في أصله إعجاب بالهوية، وذلك يدفع إلى أن يجعل القائمين على هذه المؤسسات بإظهار الإعجاب بتلك المسميات على المؤسسة أو هذه الشركة؛ لأنه من الصعوبة بمكان أن يُشبع إعجابه بما يُخالف عرف المجتمع العام، فمن الصعب أن يسمي ابنه (جون) أو (توم) أو (روبرت). اجتماعياً لا يستطيع أن يُعبّر عن هويته الغربية بشكل مباشر، فيختار وسائل غير مباشرة مثل لباسه أو شركته...
وقد تظن بعض الشركات أن المسمى الإنجليزي لها سيكسبها ثقةً أكبر لدى المجتمع، وأنها ذات رقي، وهذا حقيقة دلالة عقدة نقص داخلية، وعدم ثقة في ما تطرحه هذه الجهات.
 كيف نربط بين توسع استخدام المصطلحات الأجنبية، والتفوق الثقافي لأمم بعينها؟
- إحدى الدراسات أكّدت أن الدول التي سُجّل فيها عدد براءات اختراع أكثر هي الدول التي تدرس العلوم بلغتها.
التعليم في كل بلدان العالم بلغتهم الرسمية: الصين بالصينية، روسيا بالروسية، اليابان باليابانية، المحتل الإسرائيلي يعلم بالعبرية، وهم لا يتجاوزن خمسة ملايين نسمة، حتى إن الطلبة الفلسطينيين في تل أبيب يدرسون في جامعات إسرائيل بالعبرية!!
من المفارقات أنه في حين تتعرض اللغة العربية وحرفها للإهانة والازدراء في أغلب أقطار العالم العربي، فإن بعض الدول غير العربية لا تزال تتمسك بالحرف العربي في لغتها (إيران، باكستان، أفغانستان)، ويسمّونه هناك «الحرف الشريف»؛ لأن لغة القرآن كُتبت به.
فاللغة العربية هي لغة حيّة وقادرة على التكيف مع المستجدّات، فهي بحر كبير، ولك أن تعلم اتساعها عندما جمع الفيروز آبادي صاحب القاموس المحيط، عدداً من مترادفات الأسماء العربية في كتاب طريف أسماه: "الروض المسلوف.. فيما له اسمان إلى ألوف" وذكر فيه : خمسمائة اسم للأسد، ومائتي اسم للحية، وثمانين اسماً للعسل.
والمسألة ليست مجرد جمع ترادفات مكررة، معظمها مما هجره العرب في الاستخدام، وإنما هناك فروق لغوية دقيقة لا يعرفها إلاّ أهل اللغة والذوق. فمثلاً: "قعد" غير "جلس" والأفضل أن تستخدم قعد بعد قيام، فتقول كان قائماً فقعد، وأن تُستخدم جلس بعد اضطجاع فتقول: كان مضطجعاً فجلس، ولولا الإطالة لذكرنا لكم الفرق بين القلب واللب والفؤاد، وبين راح ومضى وذهب وانطلق، وغيرها من الألفاظ الكثيرة.
واللفظ العربي – بخلاف الألفاظ في اللغات الأخرى- معجز وهو يعبر بحروفه وطريقة نطقه عن أدق التفاصيل، بما فيها المشاعر الإنسانية، بما يجعلك متوحداً مع الكون في تناغم فريد؛ فصوت الإنسان الخفيض أو الخفي قد يكون: همساً أو جرساً أو خشفة أو همشة أو وقشة. ولكل منها استخدامه في موضعه الخاص… ومن أجمل ما قرأت عن صوت الماء: أنه إذا جرى فهو خرير، وإذا كان تحت ورق أو قماش فهو قسيب، وإذا دخل في مضيق فهو فقيق، وإذا تردد في الجرة أو الكوز فهو بقبقة، وإذا استخرج شراباً من الآنية فهو قرقرة.
 هل يمكن أن تعمل هذه المصطلحات في المستقبل على صياغة قيم جديدة في المجتمعات التي تنتشر فيها؟ كيف يمكن قراءة هذه الظاهرة بالتماس مع القيم؟
      هناك ما يُسمّى بأدوات تشكيل الثقافة، فتضافر هذه الأدوات على مدى طويل مع حشد إعلامي مجاني هائل موجود في المنطقة العربية، ويُروّج للثقافة الغربية ويُمجدّها؛ فبالتالي سيكون هناك تحولات ثقافية في المجتمع نحو صورة ممسوخة من الثقافة الغربية، ويظهر ذلك على الأمد الزمني البعيد.
فاللغة هي أساس أي تكوين حضاري، وقوة اللغة من قوة الحضارة التي تمتلك تلك اللغة، وإذا تحدّثنا عن القوة فهي نوعان:
قوة صلبة (معدات عسكرية وقتال مباشر)، وقوة ناعمة (وهي القوة الفكرية وأن تغزو من تريد بأفكارك حتى يتبناها)، فالحديث عن المصطلحات الأجنبية هو استعمار فكري هادئ ولذيذ للمقابل، ودون أن يشعر، وإليك هذا المثال:
فقبل عام 1920م كان هناك أكثر من (75) لغة تكتب حروفها باللغة العربية، ثم أتى الاستعمار، ودائماً يأتي معه مركز للدراسات يبحث في كيفية إعلاء حضارته على حضارة مستعمراتها؛ لكي تهيمن وتسيطر عليها بشتى الطرق الممكنة، تلك المراكز البحثية وجدت أن الطريقة الأقوى لفرض هيمنتها على العالم هو بفرض لغتها.
فبدأ المستعمرون في الدول العربية يضعفون من اللغة العربية، في إفريقية مثلاً حوّلوا اللغة السواحيلية التي يتكلم بها قسم كبير من إفريقية لكي تكتب بحروف لاتينية، على الرغم من أن جميع الدراسات أكدت أن كتابة اللغة السواحيلية بحروف غير العربية ستضعف منها كثيراً، إلاّ أن الهدف وقتها لم يكن إضعاف أو تقوية اللغة السواحيلية بقدر ما كان الهدف هو القضاء على اللغة العربية، تمهيداً لإضعاف الكيان العربي بالكامل.
الأمر ليس مزاحاً ولا خوفاً من المستقبل دون مسوّغ، إنما الضرر الذي يقع على اللغة ينعكس على الهوية، ويشعر به الآخرون، وينشرونه في دراساتهم، بينما نحن نائمون في العسل.
فقد أصدرت منظمة (اليونسكو) في عام 2006م قائمة بحوالي (300) لغة انقرضت تماماً في القرن العشرين، وأضافت إليها قائمة باللغات المتوقع انقراضها في القرن الحادي والعشرين، وكان من بين اللغات في تلك القائمة اللغة العربية..!
‏ولكن كيف ذلك واللغة العربية تمثل أطول الآداب العالمية عمراً على الإطلاق‏،‏ فهي اللغة التي يستطيع أبناؤها قراءة خمسة عشر قرناً من الإبداع‏،‏ في حين أن تاريخ اللغات الأخرى لا يزيد على خمسة قرون!
المنظومة القيمية لدى المجتمعات تشكّل هوية واضحة المعالم للحاضر والمستقبل، فعندما تتزعزع هذه القيم، ويتغير تشكيلها بفرض قيم ذات دلالة إعجاب بالآخر، وانسلاخ من واقع وماضٍ يتكئ عليه الإنسان فهنا مكمن الخطر. 
 هل يعمل انتشار التقنية (حاسب آلي، جوال)، كعامل مساعد في انتشار هذه المصطلحات؟
- هناك قانون اسمه قانون الفوضى يقول: التغير التكنولوجي يقود التغير الاقتصادي، والتغير الاقتصادي يقود التغير الاجتماعي.
وكم أتمنى ألاّ نجعل التقنية الحديثة مسوّغاً لهذه الأخطاء، بل نستطيع أن نقوّم حالنا، وننطلق للعمل للاعتزاز باللغة العربية، وليس شيء أدلَّ على هذا من واقع اللغة الإنجليزية، فمنذ أن قررت الولايات المتحدة الأمريكية تبنيها لغة رسمية لها حتى سعت في نشرها, وربطها بالعلوم والمعارف؛ فحين كان أبناء هذه اللغة في بداية القرن التاسع عشر الميلادي واحداً وعشرين مليوناً فقط, أصبحوا في بداية القرن العشرين مائة وخمسة وعشرين مليوناً, وهم اليوم ضعف هذا العدد أو أكثر, ومن يتحدثون بها من غير أبنائها خلق كثير لا يكاد يُحصى, وهي لا تزال في اتساع وانتشار مستمر, ولا سيما في زمن العولمة؛ إذ تفرض نفسها اليوم لغة للناس كافة، على الرغم من أن الذين يتحدثون بها باعتبارها لغة أصلية لهم لا يزيدون عن7.6% من سكان العالم حسب إحصائيات عام 1992م, ومن المعلوم أن من أساسيات العولمة نشر اللغة الواحدة، وجعلها لغة العالم الأولى, وإيهام البشر أن العلم والمعرفة والإبداع والاختراع والخير والحضارة والسبق والفوز لا يكون إلاّ لمن أتقن اللغة الإنجليزية, ودرَّس العلوم والاختراعات بلغتها دون سواها.
 إلى أين يمكن أن تقود هذه الظاهرة في المستقبل..؟! ما هي اتجاهاتها في السنوات القادمة؟
- قد تؤدي هذه الظاهرة إلى ضعف التعبير العميق للناس عمّا لديهم باللغة العربية، وتصبح تعابيرهم باللغات الأجنبية أسهل من اللغة العربية، فتضحي اللغة العربية هي لغة المدارس والدوائر الرسمية فقط وليس لغة الواقع والشارع، كما هو الحال في بعض دول شرق آسيا والهند بأن اللغة الإنجليزية هي اللغة السائدة ولغة البلد هي "اسماً" الرسمية ويتحدّث بها العاميون والبسطاء.
ولقد ثبت واقعياً أن اندثار اللغة لأمة ما: هو اندثار ذاتها وغياب شخصيتها وحقيقة وجودها، ولا أدلَّ على ذلك من حال الهنود الحمر في القارة الأمريكية حين غزاهم المهاجرون الأوروبيون، فعملوا فيهم عسكرياً وثقافياً حتى أفقدوهم لغتهم، وبالتالي ذاتيتهم وهويتهم الخاصة، وكذلك ما حصل في أوروبا وأمريكا بحق الرقيق السُّود، المجلوبين من إفريقية؛ إذ لم يبق لهم من جميع أصولهم وخلفياتهم إلاّ ما تفرضه الوراثة من الأشكال والألوان.
وفي ندوة "العربية في عصر العولمة" التي عُقدت في المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، حذّر الدكتور محمود حافظ رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، من خطورة هذا التوجه إلى المصطلحات الأجنبية فقال: "إن هناك مؤامرات تُحاك منذ سنوات للنيل من اللغة العربية، وإن في مصر (250) مدرسة أجنبية تُعلّم علومها في غياب اللغة العربية تماماً، إضافة إلى جامعات أجنبية، وهذا الأمر سيؤدي بعد جيل أو جيلين إلى وجود طبقة اجتماعية لا تنتمي إلى مصر ولا إلى اللغة العربية، بل تنتمي إلى لغات أجنبية وإلى بلدان تلك اللغات".
 ما هي الحلول لهذه الظاهرة؟
يقول ابن خلدون: (إن قوة اللغة في أمة ما، تعني استمرارية هذه الأمة بأخذ دورها بين بقية الأمم؛ لأن غلبة اللغة بغلبة أهلها ومنزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم).
كل الدول تحرص بقوة على تجنيد كل الوسائل للحفاظ على لغتها الوطنية من أي تأثيرات ضارة، والدفاع عنها في مواجهة تأثير اللغات الأخرى، حتى لا يحدث لها مثلما حدث لباقي اللغات التي ماتت؛ فهناك (25) لغة تموت سنوياً، كما تشير الأبحاث العلمية من مجموع اللغات التي يقدرها الباحثون بحوالى (6000) لغة، والتي تتوقع الدراسات أن تختفي منها (3000) لغة مع انتهاء القرن الحادي والعشرين.
ولعل في التجربة اليابانية مع العلوم والمعارف الأجنبية من أقوى التجارب الحديثة على إمكانية المشاركة في صناعة النهضة الحضارية العالمية، مع الإبقاء على الخصوصية الثقافية واللغوية للقومية اليابانية؛ ففي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي زمن محمد علي، حين قرر المصريون التدريس في المعاهد باللغة الإنجليزية: أصرَّ اليابانيون على ضرورة التدريس باللغة اليابانية، وترجمة العلوم والمعارف الأجنبية إليها، فما إن حلَّ عام 1907م حتى كان 97% من الشعب الياباني متعلماً، وكانت نسبة الحاصلين على الشهادة الابتدائية عام 1910م مائة بالمائة، ثم تتابعت إنجازاتهم العلمية، ومشاريعهم الحضارية، ضمن سلسلة من النجاحات الباهرة، مقابل إخفاق عربي عام في جميع الميادين العلمية، وتدنٍّ واضح في نسب المتعلمين. ولم تكن – في كل ذلك– اللغة الأجنبية عاملاً في نهضة اليابان الحديثة، بل إن الثابت أن شعب اليابان – في العموم– يعاني ضعفاً في اللغة الإنجليزية، والمتعلم الياباني يتأخر ترتيبه بين طلاب الدول الآسيوية إلى المرتبة الثامنة عشرة في اختبارات مهارات اللغة الإنجليزية، ولم توضع قضية تعليمها للبحث والدراسة عند المختصين – بصفتها لغة أجنبية– إلاّ ضمن مقترحات خطة اليابان للقرن الحادي والعشرين الميلادي، بعد ظهور مفهوم العولمة، وما ترتب عليه من الانفتاح الثقافي العالمي، وحاجة الياباني المثقف بصورة عاجلة في هذا الظرف الحضاري إلى كثير من المعلومات المتوافرة باللغة الإنجليزية.
من أهم الحلول لنهوض اللغة العربية من كبوتها هو الإغفال النسبي لكثير من القواعد الفرعية التي لم تعد تستخدمها العربية المعاصرة، والتي تثقل مع ذلك كاهل الدارسين وتنفرهم من تعلم اللغة والإقبال عليها‏، فضلاً عن محاولة إيجاد أو استحداث قواعد جديدة تتسم بالمرونة وإدراجها ضمن القواعد الحديثة المكتشفة في مناهج تعليم اللغة‏،‏ دون المساس بالقواعد الرئيسة الجوهرية‏.‏




مساحة إعلانية
الأعلى