الرئيسية: الملف العودة

طمس الآثار العربية والإسلامية في فلسطين

كتب بواسطة: عبد الرازق متاني | في الملف . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :84 | عدد المشاهدات : 5153

سعت المؤسسة  الإسرائيلية من البداية إلى تهويد الأرض وذاكرة المكان، وإلى إزالة البعد التاريخي العربي والإسلامي لأرض فلسطين، وهي مستمرة بانتهاك الآثار الإسلامية وإزالتها، ليس فقط من الكتب والأبحاث، بل من أرض الواقع أيضًا، وجرف العديد من الطبقات الإسلامية والتي اعتبرت بحسبهم "مضايقات متأخرة" لا قيمه لها ولا حاجه للإبقاء عليها، بل يجب إزالتها بهدف الوصول إلى "المهم"، في حين سعوا إلى بناء روايتهم وجعلها التاريخ كله، على الرغم من تأكيد الباحثين على بطلانها، تلك الرواية التي بُنيت في الغالب على آثار فردية عُثر عليها هنا أو هناك، أو أنها قد بُنيت في أحيان عديدة على قطع أثرية مزيفة كان الهدف من ورائها تحقيق الرواية على أرض الواقع وإيجاد تصديق لها ما دام القوي هو الذي يكتب التاريخ، بل ويزيل الآثار وما دام الصراع بجوهره هو من أجل الهيمنة والسيطرة في الحاضر:(متاني:52/2010).
أما الوسائل التي سعت المؤسسة إلى تهويد تاريخ أرض فلسطين من خلالها فنجملها في النقاط التالية :
1- إزالة وطمس الآثار العربية الإسلامية من مواقع عدة، نخصّ منها الآثار التي تعود إلى الفترة المملوكية والعثمانية كونها تقع في الطبقات العليا، وقد كانت جزءًا من النسيج المعماري للقرى العربية، وقد تمّ هدمها من خلال عمليات هدم القرى المهجرة.
2- تمّ إزالة وجرف العديد من الطبقات الإسلامية خلال عمليات التنقيب الأثري الإسرائيلي التي بحثت عن "المهم" مزيلة الطبقات الإسلامية والعربية المتراكمة دون تدوين أو معالجة أو دراسة معتبرة إياها مضايقات متأخرة يجب إزالتها بهدف الوصول إلى"المهم" بل لا أبالغ إذا قلت إن آثارًا غير إسلامية (رومانية أو بيزنطية) قد أُزيلت في بعض الأحيان، ولم تحظ بالاهتمام والتوثيق العلمي اللائق بهدف الوصول إلى "الفترات التوراتية" (متاني 2010:18).
3- انتحال التاريخ، مصوّرين تاريخ اليهود على أنه تاريخ أرض فلسطين، أو أن اليهود كانوا العنصر والمركب الأساس في التاريخ الفلسطيني، على الرغم من كون العديد من الباحثين أكّدوا أن الوجود اليهودي في أرض فلسطين لم يكن سوى وجود طارئ لا يكاد يُذكر مقارنة مع تاريخ فلسطين العريق، وأن وجودهم لم يكن سوى تجمّعات اجتماعية تعود بالولاء للحكم المركزي إذا وجدت أصلاً، الأمر الذي أكّده العديد من الباحثين، نذكر منهم الباحث (كيث ويتلام) في كتابه "اختلاق إسرائيل القديمة إسكات التاريخ الفلسطيني" حيث يقول: "إنه بُعد زمنيّ يساعد على توضيح أن إسرائيل ليست إلاّ مجرّد كينونة في الزمان الفلسطيني الكاسح". (ص:120)، أمّا المؤرخ (ويلز) فقد وصف حياة العبرانيين في كتابه "موجز التاريخ" قائلاً:
"كانت حياه العبرانيّين في فلسطين تشبه حياة رجل يصرّ على الإقامة وسط طريق مزدحم فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار، ومن الأول إلى الآخر لم تكن مملكتهم سوى حادث طارئ في تاريخ مصر وسوريا وآشور وفينيقية، ذلك التاريخ الذي هو أكبر وأعظم من تاريخهم". (ظفر الإسلام خان:97).
4- إنشاء "ترسانة علمية" مجنّدة تسعى لتهويد التاريخ وتصويره وفق الرواية التوراتية، بل وتحقيق هذه الرواية وتنفيذها على أرض الواقع من خلال إصدارات "بحثيّة" ومشاريع "تهويديّة"، وقد شملت هذه الترسانة العديد من الباحثين والمختصين في العديد من المجالات ليكونوا سوية "الفسيفساء الحضاري" وفق الرؤية الصهيونية، وقد كان لعلم الآثار الدور الكبير في تحقيق هذه القضية.

علم الآثار  الإسرائيلي ودوره في تهويد تاريخ فلسطين
لا يمكن اعتبار علم الآثار الإسرائيلي علمًا محايدًا موضوعيًّا، بل هو من أهم مركبات الصراع التاريخي.
فقد كان وما زال لعلماء الآثار الإسرائيليّين والمستشرقين الدور الأكبر في تهويد تاريخ فلسطين من خلال إصداراتهم وبحوثاتهم الأثرية، وذلك لعدة أسباب:
1- علم الآثار  الإسرائيلي كان في الغالب من المركبات الأساسية للترسانة العلمية المجندة التي سعت إلى تهويد تاريخ أرض فلسطين من خلال "فرض" الرواية التوراتية على أرض الواقع وتثبيتها من خلال "المكتشفات" الأثرية والبحوث العلمية، كما كان لهم دور كبير في التحضير لإقامة "الوطن القومي اليهودي" من خلال الأبحاث الأثرية التي سعت للكشف عن "جذور إسرائيل التوراتية" كمقدمه لعودة اليهود إلى "وطنهم الأم"، إلاّ أن المنصفين من العلماء قد أنكروا هذه الرواية بل إن من العلماء الإسرائيليّين أنفسهم من أنكر هذا التجنيد للعلم، وطالب بفصل العلم عن السياسة والتحرر من قيود الصهيونية و "علم الآثار  التوراتي"، معلّلين ذلك بأن "دولة إسرائيل" أصبحت أمرًا واقعًا تستمد استقلاليتها وقوتها من أساس وجودها، ومن خلال حضارتها الحالية، ولم يعد هناك حاجة للترويج للأساطير التوراتية التي احتاجوا أن ينشروها في بداية سنوات قيام دولة إسرائيل، بل ومنهم من أصبح يوجه الاتهامات المباشرة لما يقوم به العلماء "التوراتيّين" من تقويض للعلم، خصوصًا فيما يتعلق بتاريخ القدس؛ فقد ردّ مجموعة من أساتذة جامعة تل أبيب على ادّعاءات مزار (2007 المحاضرة في قسم الآثار في الجامعة العبرية)، والتي أدارت العديد من الحفريات في مركز الزوّار الإسرائيلي في سلوان –القدس- في السنوات 2006-2007 بمقال تحت عنوان: "هل حقًا اكتشف في القدس قصر الملك داود؟" ملخّصين بحثهم: "الاستحداث الذي تقترحه مزار هو نموذج واضح لعلم الآثار  التوراتي التقليدي، الذي يصمم التفسيرات الأثرية بحسب رؤية غير ناقضة للرواية التوراتية، هذا النظام والذي تحكم في البحث حتى سنوات الستين من المائة العشرين، وضعف حتى كادت تختفي عند نهاية المائة العشرين ظهر مجدّدًا قي قمة رونقه في مدينة داود في سنة 2005 (أوسكشين وآخرون:42/ 2007)".
2- ارتباط علم الآثار الإسرائيلي بالسياسة، بحيث كان وما زال للأثريين الإسرائيليين دورًا كبيرًا في بناء الذاكرة والهوية الجماعية الإسرائيلية والمحافظة على هذه الذاكرة. وقد لعب علم الآثار دورًا كبيرًا في بناء الذاكرة الجماعية لأبناء الدولة الناشئة، الأمر الذي أكّدته شهادات الباحثين الإسرائيليّين أنفسهم كأمثال البروفسور (يسرائيل فنكلشتن) في مقدمة الطبعه العبرية من كتابه "بداية اسرائيل" حيث قال: "منذ سنوات الخمسين من المائة العشرين كان علم الآثار التوراتي ركيزة أساسية في بناء طباع الشعب الإسرائيلي، احتلال الأرض على يد يهوشوع، وقصة الاستيطان اعتبرت النموذج الظاهر من الماضي البعيد لعودة صهيون الجديدة، مملكة داود وسليمان المزدهرة اعتبرت رمزًا للمستقبل المزهر لإسرائيل الشابّة. كل هذا يجب أن نحلّله على أساس الأيام الأولى من بناء دولة قومية وبناء الهويّة، ولكن الآن عندما نضج المجتمع الإسرائيلي، وأصبحت إسرائيل أمرًا واقعيًّا، هل يوجد قيمة للسؤال عمّا إذا وقعت جدران أريحا نتيجة الأصوات المنطلقة من صفارة يهوشوع، أو هل حكم سليمان عاصمة مزدهرة لمملكة امتدت من نهر مصر إلى الفرات، أم حكم قرية نائية على مناطق صغيرة جنوبي الجبل؟ هل يوجد لذلك انعكاسات حول "حقنا على الأرض؟". (فنكلشتن2003:4).
3- طمس الآثار  العربية والإسلامية، وإزالتها وعدم اعتبارها ذات أهمية ترقى بحسب علم الآثار الإسرائيلي ليتناولها ضمن أجندته البحثية، حتى إنها لم تدرّس ضمن أقسام تدريس الآثار بالجامعات الإسرائيلية حتى زمن قريب، ثم لتُدرّس في بعضها على استحياء، على الرغم من ذلك فإن مستوى التدريس والمعالجة ما زال سطحيًّا متدنّيًا، ولا يكاد يُذكر مقارنة مع الأبحاث الأثرية المختصة بالفترات السابقة، نخصّ منها الفترات البرونزية والحديدية "التي عُرّفت بحسب المدارس الإسرائيلية بالفترات التوراتية"، وقد ارتكز جلّ هذه الأبحاث بالأمور الجمالية الهامشية (السابق).
4- انتشار التزييف المهني المتقن في الحقل الأثري الإسرائيلي لتستعمل اللقائط المزيفة كركائز بحثية تُبنى عليها الرواية التاريخية "الصهيونية" لتكون هذه اللقائط بحسبهم حجة، ودليل على صدق ما يدّعون، إلاّ أن الناظر إلى مجمل التراث الأثري يوقن ضعف روايتهم، وعدم تلاؤم هذه القطع مع النسيج المعماري والحضاري لأرض فلسطين. (السابق).
5- اعتماد علماء الآثار الإسرائيليّين على قاعدة بيانات خاطئة في دراساتهم فيما يتعلق في تأريخ الفخاريات الإسلامية، ومن أبرز هذا الاستعمال نسبة الفخاريات الأموية إلى الفترة البيزنطية، وفخاريات عباسية متقدمة نُسبت للفترة الأموية، في حين أن بعض الأنماط الفخارية العباسية المتأخرة أُرّخت كفخاريات أمويّة متأخرة وعباسيّة متقدمة.(نول: 35-38/ 2004)، الأمر الذي يعني أن العديد من المواقع قد تكون نُسبت عن طريق الخطأ –أو ربما عن قصد- إلى فترات غير إسلامية،    وتحديدًا الفترات البيزنطية مما يعني نسبة الازدهار الذي كان في الفترة الأموية والعباسية للفترة البيزنطية، وتصوير الفترة الإسلامية المبكرة بفترة قحط، وأن بلاد فلسطين تماشيًا مع افتراءاتهم التاريخية لم يكن لها مكانة في تلك الفترة.
نستدلّ مما ذُكر أن علم الآثار الإسرائيلي هو علم غير موضوعي بل هو علم مسيّس جاء ليخدم فكرة معينة، ألا وهي تهويد أرض فلسطين وصناعة "واقع تاريخي" جديد على الأرض، على غرار السياسة الإسرائيلية الساعية إلى فرض سياستها وذاتها والاستحواذ على الأرض. يُستنتج من هذا أن كل الناتج الأثري الإسرائيلي هو ناتج فاقد لمصداقيّته؛ لكون الأساس مجنّدًا أصلاً، وذلك بحسب القاعدة "ما بُني على باطل فهو باطل"؛ أي أنه يجب عدم اعتماد المنتوج الأثري الإسرائيلي كأمر مسلم، كما أن هذا الناتج لا يصلح ليُعتمد كحجه تاريخيّة، حتى ولو كان الحديث عن نتاج حفريات أثرية معروفة ومراقبة؛ كون الحقل الإسرائيلي غنيّ بالتزييف ومجنّد أصلاً.

الخلاصة
عمدت المؤسسة الإسرائيلية إلى تهويد شامل لأرض فلسطين، شمل البشر والشجر وحتى الحجر؛ مهوّدة المكان وساعية إلى تهويد ذاكرته، في محاولة منهم لتثبيت وجودهم على هذه الأرض، ونفي وجود أصحاب الأرض الأصليّين الذين أصبح غالبيّتهم لاجئين، فلم تكتفِ المؤسسة بهدم آثار القرى المهجّرة، بل أيضًا سعت -وما زالت- إلى طمس تاريخ هذه الأرض وصياغته وفق ما يلائم مصالحهم، ما دام القويّ هو من "يكتب التاريخ" عادة 

مساحة إعلانية
الأعلى