الرئيسية: الملف العودة

عين زبيدة أبرز الشواهد التاريخية الممتدة من وادي نعمان شرقي مكة

كتب بواسطة: محمد بن عمر حسين نتو | في الملف . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :84 | عدد المشاهدات : 11430

آثار عين زبيدة في مكة المكرمة من أبرز الآثار التاريخية على الإطلاق في المملكة العربية السعودية، وتُعد من الأعمال العمرانية الخالدة التي تبرز مدى براعة المسلمين في الهندسة المعمارية. وفي هذا المقال سوف نتناول بالحديث التعريف بعين زبيدة، ومشروعها التاريخي في سقيا الحجاج.
من هي زبيدة؟
هي زبيدة بنت جعفر بن المنصور الهاشمية العباسية. أم جعفر، زوجة هارون الرشيد وابنة عمه وأم ولده الأمين. اسمها أمة العزيز، أو أم العزيز، وغلب عليها لقب (زبيدة)، قيل إن جدّها المنصور كان يرقصها في طفولتها ويقول: يا زبيدة، فغلب على اسمها.
وقد أطلق عليها هذا الاسم لما رأى فيها من ذكاء و نعومة، بالإضافة إلى بنية قوية تشعّ نضارة، و قد قيل: "لم تلد عباسية قط إلاّ هي".
وُلدت في عام 145هـ، ونشأت وترعرعت في بيت والدها أبي جعفر المنصور، عُرفت بكرمها ونبلها. وكان والدها أبو جعفر المنصور شديد الحب لها، و قد خصها بالرعاية.

صفاتها وأعمالها
 قال ابن تغري بردي في وصفها: (أعظم نساء عصرها دينًا وأصلاً وجمالاً وصيانة ومعروفًا).
كما قال عنها ابن جبير في طريقه إلى مكة: (وهذه المصانع والبرك والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مكة، هي آثار زبيدة ابنة جعفر، انتدبت لذلك مدة حياتها، فأبقت في هذه الطريق مرافق ومنافع تعمّ وفد الله تعالى كل سنة من لدن وفاتها حتى الآن، ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكت هذه الطريق).
لقد كانت زبيدة سيدة جليلة سخية لها فضل في الحضارة والعمران والعطف على الأدباء والأطباء والشعراء. فمن الأطباء الذين كانت تعطف عليهم جبريل الذي منحته راتبًا شهريًا، وقدره خمسون ألف درهم. وكانت صاحبة اليد البيضاء بعطفها على الفقراء والمساكين. ومن صفاتها أيضًا أنها كانت ذات عقل وفصاحة ورأي وبلاغة.
وهناك حادثة تدل على فصاحة الكلام. وهي أن بعث إليها مرة من أحد عمالها كتاب فردّته إليه وبه ملاحظة تقول: (أن أصلح كتابك وإلاّ صرفناك) فتعجب العامل لذلك وأقلقه الأمر؛ لأنه لم يستطع معرفة موضع الخطأ. وعرض كتابه على أصحاب الفصاحة والبلاغة فقالوا له: إنك تدعو لها في كتابك وتقول: أدام الله كرامتك، وذلك دعاء عليها وليس لها؛ لأن كرامة النساء بدفنهن، فعرف العامل الخطأ وأصلحه. ثم عاد وأرسله لها فقَبِلته.
وعُرفت زبيدة باهتمامها بالعمران، فقد بنت المساكن والنُّزُل على امتداد طريق الحاج من العراق إلى مكة المكرمة. فعندما حجت إلى بيت الله تعالى سنة 186 هجرية، أقامت من بغداد إلى مكة دربًا للحجاج، كما أنشأت به مجموعة من المساجد والبرك والآبار والمنازل والمصانع والمرافق، وجعلتها للنفع العام (الحجاج وعابري السبيل). وإليها تُنسب (عين زبيدة) بمكة، فقد جلبت إليها الماء من أقصى وادي نعمان، شرقي مكة، وأقامت الأقنية حتى أبلغت الماء إلى مكة، وكان أهم حدث قامت به زبيدة.
وكان لزبيدة من الجواري مائة جارية، و كُنّ يحفظن القرآن الكريم، وكان يُسمع في قصرها دويّ كدويّ النّحل من قراءة القرآن الكريم. وقد كان لها الدور الكبير في تطوّر الزي النسائي في العصر العباسي.
أسطورة عين زبيدة
 يعتقد البعض من الناس أو الكثير منهم أن عين زبيدة ممتدة من العراق إلى مكة المكرمة، وكثيرون يصرّون على ذلك. ولكن الحقيقة أن أصل هذه العين من وادي النعمان شرق مكة المكرمة يسار المتّجه من مكة المكرمة إلى الطايف.
فلابد لكل زائر لمكة المكرمة الصاعد إلى الطائف أو النازل منها، من أن يشاهد على سفوح الجبال بقايا بناء قناة "زبيدة" الأسطورية التى نفّذتها السيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد بعد حجها عام 186هجرية؛ فقد أدركت زبيدة أثناء حجّها مدى الصعوبات التي تواجه الحجاج خلال طريقهم إلى مكة من نقص المياه، و ما يعانونه من جرّاء حملهم لقرب الماء من تعب وإرهاق، و كان الكثير منهم يموتون جرّاء ذلك.
وبسبب ذلك، قرّرت زبيدة وأمرت بحفر قنوات مائية تتصل بمساقط المطر. فاشترت جميع الأراضي في الوادي، وأبطلت المزارع والنخيل، وأمرت بأن تُشقّ للمياه قناة فى الجبال. وأثناء مرور القناة بالجبال، جعلت لها فتحات لأقنية فرعية أقامتها في المواضع التى تكون متوقعة لاجتماع مياه السيول، لتكون هذه المياه روافد تزيد في حجم المياه المجرورة إلى مكة المكرمة عبر القناة الرئيسة. ومن هذه الأقنية الفرعية التي خصّصتها للمياه الإضافية السيلية في الطريق: "عين مشاش" و"عين ميمون" و"عين الزعفران" و"عين البرود" و"عين الطارقي" و"عين تقبة" و"الجرنيات". وكل مياه هذه الأقنية الفرعية تصبّ فى القناة الرئيسة، وبعضها يزيد سنويًا، وبعضها ينقص بحسب الأمطار الواقعة على نواحيها. من وادي نعمان إلى عرفة، ثم إن السيدة زبيدة أمرت بجرّ "عين وادي نعمان إلى عرفة"، وهي مياه تنبع من ذيل جبل "كرا" بأرض الطائف أيضًا. وأمرت بجرّ هذه المياه في قناة إلى موضع يُقال له "الأوجر" في وادي نعمان، وفيه إلى أرض عرفة. ثم إنها أمرت أن تُدار القناة على جبل "الرحمة" محل الموقف الشريف، وأن تجعل منها فروعًا إلى البرك التي في أرض عرفة ليشرب منها الحجاج يوم عرفة، وهيأت الأماكن الخاصة لذلك على شكل حنفيات حجريّة جميلة  لكي يشرب الحجاج منها بكل يسر وسهولة، كما بُني في هذه القنوات الملتفّة بجبل الرحمة مجارٍ لتجميع مياه الوضوء وصرفها إلى المزارع المجاورة التي كانت موجودة في السابق. ثم أمرت أن تمتد القناة من أرض عرفة إلى خلف الجبل، إلى منطقة يسميها أهل مكة، "المظلمة" (وتخترق القنوات خرزات، أو ما يُسمّى حاليًّا بغرف تفتيش بعضها ظاهر على سطح الأرض، ويُسمى بالخرزات الظاهرة، وأخرى مدفونة حُدّد مكانها دون أن تظهر على سطح الأرض، والجدير بالذكر فإن القناة تمرّ بمجرى أحد السيول، لذا فقد بُني سدٌّ لحجز تلك السيول، والتحكم في تدفّقها لسقي المزارع الواقعة في أسفله، ولا تزال أجزاء من هذا السدّ باقية حتى الآن ويمكن مشاهدته)، ومن ثمَ تصل إلى "المزدلفة" إلى جبل خلف "منى"، ثم تصبّ فى بئر عظيمة مرصوفة بأحجار كبيرة جدًا تُسمّى "بئر زبيدة". ثم يمتدّ هذا المجرى إلى مكة المكرمة مرورًا بمنطقة العزيزية، ثم إلى منطقة الششة، ثم تمرّ بالمعابدة. وتستمر هذه القنوات متجهة نحو مكّة المكرّمة، لكنها تعود لتأخذ مسارها مدفونة على أعماق قريبة من سطح الأرض، حتى تصبّ في بئر عظيمة مطويّة بأحجار كبيرة جدًا تُسمّى أيضًا "بئر زبيدة"، في منطقة تُسمّى اليوم بمحبس الجن، إليها ينتهي امتداد هذه القناة العظيمة (قناة عين زبيدة).
وقد أنفقت زبيدة الكثير من أموالها و جواهرها لتوفر للحجاج المياه العذبة والراحــــــة و تحميهم من كارثة الموت. و بعد أن أمرت خازن أموالها بتكليف أمهر المهندسين و العمال لإنشاء هذه العين، أسرّ لها خازن أموالها بعظم التكاليف التي سوف يكلفها هذا المشروع، فقالت له: "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينارًا"، وقد بلغ طول هذه العين عشرة أميال تقريبًا، أو ما يعادل ستة عشر كيلو مترًا.
وقيل إنه بلغ مجموع ما أنفقته السيدة "زبيدة على هذا المشروع مليونًا وسبعمائة ألف مثقال من الذهب. أي ما يساوي خمسة آلاف وتسعمائة وخمسين كيلو غرامًا.     
ولما تمّ عملها، اجتمع العمال لديها، وأخرجوا دفاترهم ليؤدوا حساب ما صرفوه، وليبرّئوا ذممهم من أمانة ما تسلموه من خزائن الأموال. وكانت السيدة "زبيدة" في قصر مطلٍّ على دجلة، فأخذت الدفاتر ورمتها في النهر، قائلة: "تركنا الحساب ليوم الحساب. فمن بقي عنده شيء من المال فهو له، ومن بقي له شيء عندنا أعطيناه". وألبستهم الخِلَع والتشاريف.
وقد وصف اليافعي (عين زبيدة) في القرن الثامن للهجرة فقال: "إن آثارها باقية ومشتملة على عمارة عظيمة عجيبة مما يتنزه برؤيتها على يمين الذاهب إلى منى من مكة ذات بنيان محكم في الجبال تقصر العبارة عن وصف حسنه، وينزل الماء منه إلى موضع تحت الأرض عميق ذي درج كثيرة جدًا، لا يوصل إلى قراره إلاّ بهبوط كالبئر. و لظلمته يفزع بعض الناس إذا نزل فيه وحده نهارًا فضلاً عن الليل.
وبفعل العوامل الطبيعية فقد تعرّضت عين زبيدة للانقطاع لقلة الأمطار، وطرأ فى بعض الأحوال على قنواتها تخريب من أثر السيول، وتوالي الأزمان. وكان الخلفاء والسلاطين الذين تعاقبوا على الحكم في الأقطار الإسلامية إذا بلغهم ذلك تحرّكت هِمَمهم لإصلاح تلك العين التي تتمتع بتلك الهندسة الزبيدية العباسية.

السلاطين يصلحون عين زبيدة
لقد قام بإصلاحها منذ إنشائها حتى زمن السلطان سليمان العثماني -يرحمه الله- العديد من الملوك والأمراء. وفي زمن السلطان سليمان، انقطعت "عين زبيدة"، وتهدّمت قنواتها، وصار أهل البلاد يستقون من آبار حول مكة يُقال لها "العسيلات"، وأخرى يُقال لها "الجوخى"، وصار الماء غاليًا جدًا. وكان الحجاج يحملون الماء إلى عرفات من الأمكنة البعيدة، وصار فقراء الحجاج يوم عرفة لا يطلبون شيئًا غير الماء، لعزّته، ولما عُرضت أحوال العين إلى السلطان، أمر بالفحص عنها ودراسة كيفية إعادة جريانها، فتألفت لجنة من قاضي مكة يومئذ الشيخ "عبدالباقي بن علي الغربي" والأمير "خير الدين خضر" أمير جدة" وغيرهما من الأعيان، فقرّروا، أنه يمكن إعادة جريان الماء بكلفة خمسين ألف ليرة عثمانية ذهبًا، ظنًّا من غير تحقيق ولا تقدير لعواقب العمل الكبير.
ولما كانت صاحبة هذه الصدقة الجارية هي السيدة "زبيدة العباسية" فقد رُؤي أن تكون كريمة السلطان هي التي تتولى إصلاحه، وهكذا فقد عيّن الأمير(إبراهيم بن بردى) دار بمصر لإنجاز هذه المهمة، فحضر إلى مكة، وشرع في عمله، واستخدم من العمال أربعمائة مملوك ومعهم ألف آخرون من العمال والبنّائين والمهندسين والحفّارين، وجلب من مصر، والصعيد، ومن الشام وحلب، واسطنبول، واليمن طوائف بعد طوائف من المهندسين، ومن المختصين بجرّ المياه، وترتيب القنوات، وكثير من الحدادين والحجّارين والبنّائين، والقطّاعين والنجارين. وكان قد حمل معه من مصر، بما لا حصر له من آلات العمارة والنقب والمكاتل، والمساحي، والمجاريف، والحديد، والفولاذ، والنحاس، والرصاص، وكان يظن -يرحمه الله- أنه يستطيع أن يتمّ العمل فى عام... ولكنه علم بعد ذلك، أن الخطب كبير والعمل كثير، فإنه كان يحتاج لحفر ألفي ذراع بذراع البنائين في الصخر والصلب ليمكن إتمام الإصلاح وإيصال الماء إلى مكة، والحفر المطلوب عميق في الحجر الصوّان يصل أحيانًا إلى عمق (50) ذراعًا، ولم يمكنه ترك العمل بعد الشروع فيه حفظًا لناموس السلطنة الشريفة. والمهمة المستحيلة فكان يرحمه الله يوقد على الحجر الصوّاني الذي يجب حفره مقدار مائة حمل حطب جزل ليلة كاملة والنار لا تعمل إلاّ في العلوّ، أما فيما أسفلها فتعمل عملاً يسيرًا لا يزيد على قيراطين اثنين، فيزال هذا القدر المحترق... ثم يُعاد إيقاد الحطب... وهكذا فقد صبر الأمير إبراهيم -يرحمه الله- صبر أيوب، وكلما فرغ المصروف أرسل وطلب مصروفًا آخر... إلى أن أتى على خمسمائة ألف ليرة عثمانية ذهبية.
وغرق له أثناء قيامه بالمهمة مركب فيه ثروته وسائر تجملاته وقيمتها مائة ألف ذهبية، فما تزعزع ولا توانى ثم مات له طفل وتبعه ولدان، فاحترق للجميع قلبه، ومات أكثر مماليكه كل ذلك وهو يتجلّد ويتجمّل إلى أن وافاه الأجل قبل إنجاز المهمة المستحيلة. فتولى الأمر من بعده أمير "جدة"، فمات أيضًا دون إنجازه... إلى أن أتمّها القاضي السيد "حسين الحسني". بعد أن استغرق العمل عشرة أعوام كاملة، وهلك دونه أمراء وخدّام ومماليك، وأُنفقت ثروة طائلة.

عين زبيدة في
العهد السعودي
وفي العهد السعودي أي في عهد الملك عبد العزيز أُنشئت إدارة خاصة لإدارة العين سُمّيت (عين زبيدة) تشرف إشرافًا كاملاً على العين والآبار الخاصة بها وترميمها.  وقد قام الشيخ عبدالله الدهلوي بأمر من الملك عبدالعزيز سنة 1346 هـ بعمارة عين زبيدة لعدة سنوات .
ثم بدأ توزيعها في مجارٍ صغيرة إلى أحياء مكة المكرمة، وكانت تُسمّى بالدبول (الدبول جمع دبل أي مجري صغير للمياه)، وكانت هنالك أماكن مخصصة تصبّ فيها هذه الدبول تُسمّى بالبازان (البازان هو بئر عميقة تصبّ فيه عين زبيدة يسحب منه السقايا المياه عن طريق الدلو) ومن ثمَ  يقوم السقايا بتوزيعها على البيوت في الحي في أوانٍ خاصة تُسمّى (الزفا) يحملها الرجل على كتفه إلى البيوت.
وهكذا استمرت هذه العين شامخة قوية لأكثر من ألف ومائتي سنة إلى عهد قريب، إلى أن استُعيض عنها بمياه البحار الناتجة عن محطات التحلية الضخمة، وذلك بسبب شحّ المياه فيها وتدمير أغلب قنواتها بسبب التطوّر العمراني في مكة المكرمة.   
وما زالت الأبحاث والدراسات مستمرة لإنهاض عين زبيدة؛ فــ"دارة الملك عبدالعزيز" تنسق في دراساتها مع عدة جهات ذات علاقة بالثروة المائية في منطقة مكة المكرمة، منها مركز المياه ومشروع مياه عين زبيدة، ومصلحة المياه بمكة، ومحطة تحلية المياه بالشعيبة، ومصنع مبرة خادم الحرمين الشريفين وذلك بغرض الحصول على نسخ من الوثائق وكافة المعلومات الخاصة بعين زبيدة ومشروعات ترميمها وصيانتها.

كلمة أخيرة
تُعد عين زبيدة معلمًا تاريخيًّا للتراث الإنساني الإسلامي في مكة المكرمة، لا يمكن نسيانه على صفحات الكتب، بل لابد من إحيائه وتعليمه لأبنائنا وأجيالنا القادمة  وتعريفهم بقوّتنا وحضارتنا الإسلامية منذ مئات السنين، وكيف صمدت طوال هذه القرون؛ فأعمالنا ممتدة من قوة إيماننا  بالله عز وجل. ولابد أن يكون سلفنا الصالح قدوتنا لبناء وطننا الغالي على نفوسنا مهبط الوحي، وأرض الحرمين المملكة العربية السعودية         

  من كتاب (شواهد تاريخية من مكة المكرمة). لكاتبه محمد بن عمر نتو وهو تحت الإصدار 

مساحة إعلانية
الأعلى