الرئيسية: نوافذ مفتوحه العودة

رعب البياض الساكن «قفلة» الكاتب

كتب بواسطة: أريج حمّاد | في نوافذ مفتوحه . بتاريخ : Jul 4 2012 | العدد :83 | عدد المشاهدات : 3929

الكاتب ارنست همنجواي، الذي نجا من رصاصة كمراسل حرب وتصارع مع ثور في إسبانيا وصاد حيوانات مفترسة في إفريقية، عندما سُئل عن أكبر مخاوفه أجاب: «ورقة بيضاء».
للكثير منّا أعراض قفلة الكاتب هذه هي التحديق في ورقة فارغة (أو شاشة كمبيوتر فارغة) بدون أي فكرة كيف سنبدأ، تبدأ معدتنا في التوعّك، ونحس بتضيّق في الحلق. قد تكون هذه الأعراض مألوفة، ولكن هل هي أعراض حقيقية أم عذر لعدم القدرة على الإنتاج؟
قفلة الكاتب تُعرف بعدم قدرة مؤقتة للبدء أو المتابعة في الكتابة بسبب خوف أو قلق أو عدم وجود إلهام، لم يتم تشخيصها في عيادات الطب النفسي، ولن تجد لها أسبابًا أو علاجًا، ومع ذلك هذا العجز الإبداعي قد يستمر لدقائق أو قد يطول لعقود.
على سبيل المثال الروائي وكاتب القصص القصيرة (هنري روث) توقف لمدة ثلاثين عامًا (المدة بين روايتيه الأولى والثانية). الكاتب التشيكي (فرانس كافكا) لم يكتب سوى رواية واحدة (المسخ) في حياته وبقية أعماله كانت إما غير كاملة أو غير منشورة.
يختلف الكتاب والمحلّلون في ما إذا كانت هذه الظاهرة موجودة حقًّا لدرجة أنك قد ترى لكل واحد منهم رأيًا مخالفًا. وحتى إن اتفقوا على وجودها سيختلفون في أسبابها وطرق علاجها.
الشاعرة (ايسايت جوليا كاسدورف) مديرة مؤسسة (pen) التي تعقد برامج في الكتابة الإبداعية تقول: «نعم، إنها حقيقية، إنها كأي نوع آخر من التوتر». تزيد احتمالية حدوث قفلة الكاتب عندما يكون تحت ضغط للإنتاج.      
تشرح كاسدورف «عندما تكون مهنة الكاتبة مرتبطة ومتشابكة مع هويتك الشخصية أو أن إنتاجك هو ما يضمن لك بقاءك مسيطرًا هذا يزيد من درجة التوتر. كاسدورف خلال سنوات دراستها العليا في جامعة نيويورك عملت في مركز الكتابة، ودربت الكثير من الطلاب لإنهاء أطروحاتهم «القفلة مقاومة هائلة تُبنى داخل الإنسان يمكن وصفها بخوف مكثف» حسب رأيها.
أما الكاتب (دايفيد تايلور) فله رأي مغاير «لا أؤمن بقفلة الكاتب، إنها مصطلح عام جدًّا مثل مصطلح (آلام الظهر)، وتصل درجة عموميّته إلى أن يصبح بلا معنى لتشعب الأعراض والأسباب وكثرة أساليب العلاج تبعًا لسببها. يقول تايلور: «السبب وراء هذه الحالة ليس نفسيًّا بل هو عدم معرفة الكاتب ماذا سيكتب، هذه الحالة  تصيب أغلب المعانين من قفلة الكاتب كما لاحظت. مفتاح معرفة ماذا ستكتب هو الشكل الذي ستكتب به مادتك (مقال، قصة.....). تخيّل نفسك تريد أن تصنع كرسيًّا دون وجود أي فكرة مسبقة عن شكل الكرسي، وكيف يكون شكله وما هو استخدامه. كل يوم أتعامل مع كتّاب يقومون بذلك، محاولة كتابة مقال، قصة، رواية.... دون معرفة أجزائها وتقسيماتها والغرض من كل جزء. ولا أتكلم هنا عن صيغة الكتابة التي تُستعمل لإخراج نص بهويّة معينة (رومانسي، درامي، كوميدي....) بل أتحدث عن الشكل: البنية الأساسية التي تعطي للكتابة شكلًا كما يُعطى الماء شكل الإناء الذي يوضع فيه. خبراء كثيرون يقولون «ابحثْ وخطّط بدقة» وهذه نصيحة جيدة، ولكن المشكلة الحقيقية تقع قبل التخطيط والبحث وهي عدم معرفة النمط المؤسس لنوع الكتابة الذي تكتبه أنت (الذي يعرف أيضًا بالقالب).
من خلال خبرتي لاحظت أن عدم الجاهزية للكتابة تعني عدم القدرة على معرفة شكل الكتابة التي سيستخدمها والتي تناسب الموضوع، أو عدم القدرة على كتابة الجملة الأساسية التي سيبُنى عليها كل ما سيُكتب لاحقًا ولحظة حل هذه القضية نعالج عدم قدرتهم على إنتاج عمل كتابي.
بعض الخبراء يعتقد أن لها أسبابًا عصبية، الكثير منهم يوافق كاسدورف على أن لها صلة متلاحمة بمدرس الصف الأول!! «تتأصل جذور قفلة الكاتب في مرحلة التدريس الابتدائية عندما تكون الكتابة نوعًا من الأداء أكثر منه عملية إبداعية «منذ بداياته، يجلس الطالب لنسخ شكل الأحرف، ثم يأخذ اختبار التهجئة، ثم يبدأ بإنتاج الجمل والفقرات، ومن هذه النقطة يتراكم الضغط المجتمعي للإنتاج».
أما الكاتب (آرثر هيرمانسن)  فيقول: «إن ما يحدث في الحقيقة هو تأخير زمني ما بين ظهور المشكلة الابداعية التي تحتاج إلى حلٍّ دراميّ في منطقة اللاواعي وتوصّل المخ إلى الحل الدرامي وانتقاله إلى منطقة الوعي، وسبب ذلك فقدان الكاتب الثقة في قدرة «لاوعيه» على التوصّل إلى حلٍّ للمشكلة الدرامية؛ فالاعتماد الكامل على الوعي وعدم الثقة في «اللاوعي» هما ما يؤديان إلى القفلة الكتابية».
ومع كثرة الأسباب المؤدية إلى القفلة الكتابية هذه بضع أسباب اتفق عليها البعض كأسباب عامة تؤدي إلى هذه الظاهرة:
 محاولة كتابة كل شيء دفعة واحدة دون تخطيط.
 عدم وجود معرفة كافية للبدء بموضوع معين.
 استهلاك الأفكار الأساسية الجيدة والشعور بعدم القدرة على اختلاق أفكار إبداعية أخرى.
 أسباب  جسديّة: قلة النوم، تعب جسدي، اكتئاب وغيرها.
 أسباب نفسيّة: الخوف من الفشل، الخوف من النجاح، نقد داخلي غير محتمل.
 مكان الكتابة والجو العام الذي يحاول الكاتب ممارسة الكتابة به.
 عدم وجود اهتمام كافٍ واستمتاع شخصي بالموضوع الذي تكتبه.
أما بالنسبة لكيفية التخلّص منها فتقول كاسدورف التي واجهت حالة عدم الإنتاج هذه خلال كتابتها لعملها (تنوّع الحديقة) أن التحدث عن هذه المشكلة وتعمّد نسيانها وممارسة التمارين التي تساعد على الإنتاج يمكن أن تحطم جدار الصمت. ومن هذه التمارين تمرين اعتادت أن تدرب طلابها عليه في جامعة نيويورك «ألتقي بالطلاب أسبوعيًّا ساعة للتحدث عن مشكلتهم، يقوم الطالب بكتابة أو تسجيل (صوتيًّا) الأفكار التي تخطر لهم بدون أي ضغط بجلسة تستمر لمدة (20) دقيقة يبقى فيها القلم يتحرك حتى لو كرر فيها الشخص الكلمة عدة مرات يساعد ذلك الكاتب على التنفيس خلال فترة قفلتهم».  
أما الكاتب ميشيل حنا فيقول: «يمكن تحديد وقت مخصص للكتابة، بغض النظر عن مستوى جودة الكتابة التي يتم إنتاجها، وتخصيص وقت للكتابة الحرة وكتابة الخواطر، وتحدي الأفكار السلبية التي تراود الكاتب بخصوص مستوى كتابته، وقدراته مع ممارسة بعض التدريبات الكتابية، وأخذ فترة من الراحة والخروج للنزهة وشمّ الهواء، والتوقف عن الكتابة يوم أو يومين ثم العودة إليها مرة أخرى».
وهذه بضع حلول اتفق الخبراء على أهميتها في التخلّص من قفلة الكاتب:
  تملّك الجرأة للكتابة السيئة لا تبحث عن المثالية، اكتب فقط.
 حاولْ أن تكتب مواضيع تهمّك وتستمتع بها.
 اكتبْ مع شخص آخر واقرأ عليه ما كتبت.
 حوّل من الكتابة على الحاسوب إلى الورقة والقلم أو العكس.
 جرّب ممارسة الرياضة.
 غيّر المكان الذي تكتب فيه.
 قسّم العمل الكتابي إلى مهمات يسهل تحقيقها.
 اكتبْ تحت اسم مستعار، وجرّبْ الكتابة دون ضغط الخوف على سمعة اسمك الكتابيّة.
 ممكن أن تساعد تقنيات ما قبل الكتابة (كرسم خارطة ذهنية للأفكار التي سوف تُطرح)  في دفق الأفكار وترتيبها.
 تجاوز الجزء الذي تعجز عن كتابته إلى أجزاء أخرى.
 وأخيرًا، اكتب عن الكتابة نفسها، وعن عدم قدرتك على الكتابة.
المثير للسخرية أن النجاح الأدبي ممكن أن يزيد من حدة الخوف، وأن يكبت المخرجات الإبداعية. حتى (جي كي رولنج) كاتبة سلسلة (هاري بوتر) الذي بيع منه (400) مليون نسخة واجهت قفلة الكاتب خلال عملها على جزء (حجرة الأسرار) تقول: «كانت بداية فترة انتشاري إعلاميًّا بسبب الكتاب الأول، ذلك الانتشار شلّني تمامًا (عن الكتابة)، كنت خائفة جدًّا أن الكتاب الثاني لن يكن بمستوى الأول، ولكنني تجاوزت ذلك».
يقول (مارك توين): «السر في التقدم هو البدء، والسر في البدء هو تحطيم كل التعقيدات الساحقة إلى مهمات صغيرة يسهل السيطرة عليها والمباشرة بالمهمة الأولى»، فترة الصمت هذه هي فترة يعيد فيها الكاتب شحذ طاقته، وهي تحمل أهمية توازي أهمية فترة إنتاجه. تقول كاسدورف: «نحن لسنا آلات، شجرة بدون أوراق ليست شجرة ميتة بالضرورة» 

مساحة إعلانية
الأعلى