المتاجرة بالإسلام في الانتخابات الأمريكية

المتاجرة بالإسلام في الانتخابات الأمريكية
المتاجرة بالإسلام في الانتخابات الأمريكية

هيرمان كين، شخصيةٌ طريفة، يعتبره البعض أظرف منْ يخوض سباق الرئاسة الأمريكي حتَّى الآن، فضلاً عن تمتّعه بسجلٍ حافل في عالم الأعمال، وظهور براعته في موقع نائب رئيس شركتي بيلسبري وبرجر كنج.
لكن هل يكفي النجاح في عالم البيتزا كي يتبوّأ المرء أعلى منصب في عالم السياسة؟!
بالطبع لا؛ لذلك بحث الرجل عن شهادات أخرى، وبالفعل أصبح ـ بجهدٍ متواضع ـ أكبر متعصّب في سباق الانتخابات الرئاسيَّة الأمريكيَّة، وحاز عن جدارة لقب أضيق المتسابقين أفقًا، على حدّ وصف (أليكس بارين)، الذي قال: "أنا لا أشك في جهله المخجل بالدستور، وكراهيّته البائسة للأقليَّة الدينيّة".

إفلاسٌ  
ما فعله (كين) يسيرٌ جدًا، يُمكِن لأي راغب شهرة القيام به؛ فقط توعَّد بعقد اختبارات دينية للراغبين في العمل معه ـ حال فوزه ـ لاستبعاد المسلمين، الذين سيحرص على ألاّ يشغل أحدًا منهم أي منصب في إدارته، واستمرّ في الهجوم التعميمي على مليار ونصف مسلم حول العالم، وأعرب عن تأييده لحظر بناء أماكن العبادة، خصوصًا إذا كانت تابعة للمسلمين!
المفارقة المضحكة، المبكية في آن- التي أشار إليها (بارين)، في مجلة (صالون) الأمريكيَّة- أن تأتي هذه العنصريَّة من شخص أسود، عانى أجداده كثيرًا بسببها.

تعصُّب
وفي صحيفة (ميامي هيرالد) وصف (يوجين روبنسون) كين بالمتعصب، معتبرًا هذه الضجة "سوء تقدير للأولويات"، مضيفًا: تخيَّلْ ردود الأفعال إذا ما أعلن مرشح أحد الأحزاب الكبيرة، بعد أن أحرز تقدمًا في استطلاعات الرأي، بأنَّه لن يشعر بالارتياح لتعيين يهودي في إدارته. بل تخيل الغضب الذي سيشتعل إذا دعم نفس المرشح الجهود الرامية لمنع طائفة المرمونية من بناء مكان لعبادتهم. لكن لأنَّ تعصّب كين لم يكن موجهًا لليهود أو المورمون، بل للمسلمين، لن تحدث ضجّة. عادة ما يكفي كشف المرشح عن تحامله الديني لإسقاطه، لكن يبدو أنَّ الأمور لا تسير هكذا إذا كان "الدين" محلّ الهجوم هو "الإسلام". لذلك كان بإمكان كين أن يؤيد ببساطة حق أي مجموعة في منع المسلمين من بناء مسجد، مستندًا إلى نوع من "الفانتازيا" التآمرية، والنشاطات المتخيّلة، التي يراها ـ قطعًا ـ شائنة.  إنَّ الصوت الذي تسمعه الآن هو همهمة الآباء المؤسّسين تطنّ كالطوربيدات في قبورهم؛ فحرية الدين يكفلها الدستور، ولا يوجد أي استثناء يحرم المسلمين من هذا الحق، ولابد أن كين يعرف ذلك، لكنه على ما يبدو لا يهتم.
وتكمن المفارقة أن كين (الأسود) يستخدم نفس الحجج التي طالما استخدمها المتعصبون القدامى ضدّ أجداده السود. صحيحٌ أنَّ بعضهم ربما يمثل تهديدًا، لكن ذلك لا يسوغ بحال وضعهم جميعًا في سلة واحدة تحت الرقابة الأمنيَّة.

جهلٌ
وفي موقع (يونايتد ليبرتي) كتب (توم نايتون) تحت عنوان (هيرمان كين والتعديل الأول): يبدو أنَّ (كين) ليست لديه معلومات كافية عن التعديل الأول للدستور الأمريكي. صحيحٌ أنني لا أتوقع أن ينظر الجميع إلى الحرية الدينية بعيني، لكني أعتقد أن هناك بعض الأمور العامة التي يتوافق الجميع على أنها حقائق لا تقبل النقاش؛ أحدها: أنَّ حظر بناء المراكز الدينية أمر خاطئ، حتى إذا كنّا مخالفين لكل تعاليم هذا الدين. لكن يبدو أنَّ المرشح الجمهوري كين لا يتفق مع غالبيتنا في هذا الأمر.
وفي نهاية مقاله قالها (نايتون) صريحة: إنَّ وجود الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكية لا ينتهك الفصل بين الكنيسة والدولة، بل استخدام سلطة الدولة لحظر الدين هو ما يعتبر انتهاكًا لهذا الفصل.
يُذكر أنَّ التعديل الأول للدستور الأمريكي "يحظر على مجلس الكونغرس تشريع أي قانون يؤدّي إلى دعم ممارسة أي دين، أو تشريع أي قانون يؤدّي إلى منع ممارسة أي دين؛ أو تشريع أي قانون يؤدّي إلى تعطيل حرية الكلام أو النشر الصحفي، أو حقّ الناس في إقامة تجمّعات سلميَّة، أو إرسالهم عرائض إلى الحكومة تطالبها برفع الظلم".

نصيحة
وليسمح لي السيد (كين) أنْ أصدمه بالحقيقة المرة؛ إنّ (مهاجمة المسلمين تجعلك تخسر الانتخابات)، لكن إذا تسرب الشك إلى نفسه فليقرأ مقال (ستيفان سالزبوري) الذي يحمل نفس العنوان في صحيفة (آسيا تايمز)، وليراجع نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 2010؛ إذ كان كل مرشح يميني متطرف لا يتوقف عن مهاجمة المسلمين أو المساجد أو المظاهر الإسلاميَّة.
أو ليستمع إلى نصيحة اختصاصية العلاقات الزوجية الأمريكية (سوزان كامبل) إلى كل المرشحين الراغبين في جذب أصوات الناخبين في سباق الرئاسة الأمريكيَّة 2001، أن انتبهوا: الناخب الأمريكي يريد منكم أن تركّزوا على القضايا الحقيقية، والتوقّف عن خلق أعداء وهميّين، وخوض حروب "دونكيشوتية". وهي ذات النصيحة التي يمكننا توجيهها للساسة في بلداننا العربية، سواء التي هبَّ عليها الربيع العربي، أو التي لا تزال تنتظر!